في الركن الجنوبي الشرقي من الكعبة المشرفة، يحتل الحجر الأسود موقعًا بارزًا في شعيرة الطواف، إذ يبدأ منه الطائفون أشواطهم السبعة ويعودون إليه عند إتمامها. ولا تقتصر مكانته على موقعه في بناء الكعبة، بل ترتبط بسنة النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- وما يحمله من دلالات دينية حاضرة في وجدان المسلمين.

ومع توافد ملايين المسلمين إلى المسجد الحرام، تتواصل أعمال العناية بهذا المعلم، في إطار الجهود المبذولة للمحافظة على الكعبة المشرفة وتجهيزها وخدمة قاصدي بيت الله الحرام.

الحجر الأسود.. نقطة الانطلاق في الطواف

يمثل الحجر الأسود علامة أساسية في تنظيم شعيرة الطواف؛ فمن محاذاته يبدأ كل شوط، وتنتهي عندها الأشواط السبعة. ويحرص المسلمون على استلامه أو تقبيله اقتداءً بالنبي -صلى الله عليه وسلم-، متى تيسر ذلك دون مزاحمة أو مشقة.

وتندرج العناية بالحجر الأسود ضمن اهتمام المملكة العربية السعودية بالكعبة المشرفة ومعالمها، إذ تشمل الجهود المحافظة عليه وتنظيفه وصيانته وتطييبه، بما يحفظه ويبرز مكانته الدينية والتاريخية، في سياق ما تقدمه المملكة من خدمات للحرمين الشريفين وزوارهما.

الحجر الأسود في السنة النبوية

ارتبط الحجر الأسود بهدي النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- في أداء الطواف، فقد كان استلامه وتقبيله من سنته، وهو ما يحرص المسلمون على الاقتداء به فيه عند القدرة على ذلك. ولا يُعد تقبيل الحجر الأسود أو استلامه شرطًا لصحة الطواف؛ إذ يكفي أن يحاذيه الطائف عند بدء الشوط، وإذا تعذر عليه الوصول إليه بسبب الزحام، جاز له الإشارة نحوه بيده مع التكبير، ثم مواصلة الطواف دون مزاحمة الآخرين.

وتبرز هذه الأحكام أهمية الموازنة بين اتباع السنة والمحافظة على سلامة الطائفين، خاصة مع كثافة الحشود في المطاف، بما يتيح للجميع أداء مناسكهم في أجواء آمنة ومنظمة.

الموقع والتكوين

يوجد الحجر الأسود في الركن الجنوبي الشرقي من الكعبة المشرفة، من الخارج، على ارتفاع يقارب مترًا ونصف المتر من أرضية المطاف. ويحيط به إطار مصنوع من الفضة الخالصة، يعمل على صونه وتثبيته في موضعه. ويتكون الحجر في صورته الحالية من أجزاء صغيرة متماسكة، تظهر داخل الإطار الفضي، وتربط بينها مادة تثبيته في ركن الكعبة. ويعكس هذا التكوين ما مر به الحجر من أعمال عناية وصيانة عبر العصور.

وتورد المصادر الإسلامية روايات عن أصل الحجر الأسود، من بينها أنه من أحجار الجنة، وأنه نزل إلى الأرض أبيض اللون قبل أن يطمس الله نوره. وجاء في الحديث الذي رواه عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «إنَّ الحَجَرَ والمَقامَ ياقوتتانِ من ياقوتِ الجنةِ، طمس اللهُ نورَهما، ولولا ذلك لأضاءتا ما بينَ المشرقِ والمغربِ».

أعمال الصيانة والتوثيق البصري

تتولى الهيئة العامة للعناية بشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي جانبًا من أعمال المحافظة على معالم الكعبة المشرفة، من خلال برامج دورية للتنظيف والصيانة والتطييب، تنفذها كوادر متخصصة بالاستعانة بالتقنيات الحديثة.

وامتدت جهود العناية إلى توثيق الحجر الأسود بصريًا، باستخدام تقنيات التصوير عالية الدقة التي تتيح رصد تفاصيله وإظهار أجزائه بوضوح، بما يدعم توثيق المعالم الإسلامية والتعريف بها باستخدام الوسائل التقنية المتقدمة.

وتشمل الجهود كذلك تنظيم حركة الطائفين في المنطقة المحيطة بالحجر الأسود، ومراعاة أعداد الزوار وكثافة الحشود عند تيسير وصولهم إليه، بما يساعد على انسيابية الحركة ويحد من التزاحم داخل المطاف.

معلم يجمع التاريخ والدلالة الإيمانية

يحافظ الحجر الأسود على مكانته بوصفه أحد أبرز معالم الكعبة المشرفة، لما يرتبط به من شعائر نبوية ودلالات إيمانية، فضلًا عن حضوره في ذاكرة المسلمين عبر الأجيال. وتجسد أعمال المحافظة عليه جانبًا من الاهتمام المستمر بالكعبة المشرفة ومكوناتها، من خلال توفير الإمكانات والكوادر اللازمة لصيانتها والعناية بها، بما يضمن استمرار خدمة بيت الله الحرام وتيسير أداء المناسك لقاصديه.