أكد الأكاديمي الدكتور بندر الغميز، أن اللغة العربية تمثل موردًا اقتصاديًا مهمًا يمكن الاستفادة منه ماديًا، وأن الجامعات السعودية الكبرى، مثل جامعة الملك سعود، وجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وجامعة الأميرة نورة بنت عبدالرحمن، وجامعة أم القرى، تقدم منحًا للطلاب بدلًا من أن تتقاضى منهم رسومًا، في حين يشير تقرير لليونسكو حول القوة الشرائية للغة العربية إلى أن نسبة الدارسين في الأردن الذين يدرسون على نفقتهم الخاصة وصلت إلى 85%، ما يعكس وجود سوق قادر على الدفع.
وبيّن، خلال استضافته في برنامج " الليوان" على قناة روتانا خليجية، أن اللغة العربية تُدرّس في مئات الجامعات حول العالم، من بينها جامعات في كوريا والصين وغيرها، وأن هذه الجامعات لديها برامج صيفية يُفترض أن تُطبق في دولة تتحدث اللغة، متسائلًا عن آلية استقطاب هؤلاء الطلاب، في ظل أن القبول غالبًا ما يكون عبر المنح. ولفت إلى أن مجمع الملك سلمان للغة العربية يقوم بجهود كبيرة، إلا أن أغلب المستفيدين أيضًا يأتون عبر المنح.
ثلاث مسارات للاستفادة من اللغة العربية
واقترح الغميز ثلاثة مسارات مختلفة لتفعيل الاستفادة الاقتصادية من اللغة العربية. يتمثل الأول في استهداف شريحة ذات قوة شرائية مرتفعة، بدل التركيز على الدول ذات القوة الشرائية الضعيفة التي تتعلم العربية لأسباب دينية، معتبرًا أن هذا الجانب يمكن أن تتولاه مؤسسات غير ربحية، بينما ينبغي النظر إلى اللغة العربية باعتبارها رافدًا اقتصاديًا يدر دخلًا، ما يتطلب تنظيمًا عاليًا.
واستشهد بتجربة تعليم اللغة الإنجليزية، متسائلًا عن غياب نماذج مماثلة لـ ESL وEF في تعليم العربية، مشيرًا إلى تصريح لرئيس المجلس الثقافي البريطاني حول أن توفر اللغة الإنجليزية أسهم في توفير 26 ألف وظيفة وأكثر من 11 مليار دولار بشكل مباشر في الناتج المحلي البريطاني. وأضاف أن سوق اللغات عالميًا وصل إلى 90 مليار دولار في 2024، متسائلًا عن موقع اللغة العربية من هذا الرقم، ومؤكدًا أنه لا يرغب في أن تظل العربية لغة يُنفق عليها دون أن تحقق عائدًا.
أما المقترح الثاني، فيتمثل في إنشاء شركة حكومية قوية تتولى بناء معاهد حديثة لتعليم اللغة العربية خلال فترة تمتد إلى 10 سنوات، نظرًا لصعوبة أن يتحمل القطاع الخاص هذه المهمة بمفرده. وأوضح أن هذه المعاهد يمكن أن تقدم برامج مرنة: شهر واحد، أو لأغراض سياحية أو ثقافية، أو لفصل دراسي جزئي، مع تسهيل الإجراءات بحيث لا تكون مرتبطة بإجراءات معقدة مثل الموافقات الوزارية والخطابات الرسمية، بل بطريقة مشابهة للدراسة في دول مثل نيوزيلندا، حيث يمكن للدارس إنهاء إجراءاته والسفر خلال أسبوعين، مؤكدًا أن العربية هي الأصل في بيئتها.
والمسار الثالث يتمثل في تفعيل السياسة اللغوية الأجنبية، بحيث يُطلب من الشركاء الدوليين التفاعل باللغة العربية بدل الإنجليزية، ما يؤدي إلى تنشيط قطاع الترجمة. وأشار إلى أن شركات ومطاعم وجهات استشارية مثل PwC ستحتاج إلى خدمات الترجمة في حال تم تفعيل العربية في العروض والاجتماعات، موضحًا أن الجزء الأكبر من سوق اللغات العالمي يذهب إلى التعليم والترجمة.
وتوقف عند تجربة تطبيق Duolingo بعد إدخاله اللغة العربية، مشيرًا إلى أنه حقق بحسب ما سمع نحو 50 مليون دولار دخلًا، وإن لم يكن الرقم دقيقًا، ومتسائلًا عن غياب تطبيق سعودي منافس يحقق أرقامًا مماثلة. كما أشار إلى أن بعض التطبيقات تقدم تعليم العربية في سياق ديني مبكر، ما قد لا يكون مناسبًا لجميع المتعلمين، وضرب مثالًا افتراضيًا بتعليم لغة روسية يتضمن محتوى ديني غير متوقع، مؤكدًا ضرورة الفصل بين تعليم اللغة والسياقات الأخرى بحسب السوق المستهدف.
وشدد على أن السوق المستهدف لا ينبغي أن يكون دينيًا فقط، بل سوقًا يمتلك قدرة مالية، مع الإشارة إلى أن دعم تعليم اللهجات، مثل اللهجة الخليجية، يمكن أن يسهم في تحسين صورة المملكة وتعزيز حضورها الثقافي، لافتًا إلى أن اللهجات المصرية والشامية والمغربية تُدرّس في بعض الجامعات الأمريكية، في حين لا تحظى اللهجة الخليجية بالحضور نفسه.
المملكة ترعى اللغة العربية
أعرب الغميز عن اعتزازه بالجهود التي تبذلها المملكة العربية السعودية في مجال السياسات اللغوية، من قرارات وتشريعات وبناء مراكز وبرامج وكراسٍ بحثية في الجامعات، إلا أنه أشار إلى أن ملف اللغة العربية بوصفها رافدًا اقتصاديًا لا يزال بحاجة إلى تفعيل أكبر.
وأوضح أن المملكة لا تزال تتعامل مع اللغة العربية برعاية ودعم انطلاقًا من دورها الحضاري، مستشهدًا بأمثلة مثل كورس الملك عبد العزيز في بولونيا، وكورس الأمير نايف في موسكو، وبرنامج الملك فهد في أركنساس الذي أُنشئ عام 1995 ويقدم جائزتين سنويتين للترجمة من العربية وإليها، فضلًا عن أوجه الإنفاق المختلفة الداعمة للغة.
وأضاف أنه عند احتساب اللغة العربية بمنطق اقتصادي يتبين أن نموذج العمل الحالي يقوم على الإنفاق عليها أكثر مما تدره من عوائد. وأكد أن العربية تمتلك مقومات تتمناها لغات أخرى، من بينها كونها لغة رسمية في الأمم المتحدة، وتمثيلها عبر 22 دولة، ووجود 22 قناة إعلامية رسمية، إضافة إلى رقعة جغرافية واسعة واقتصادات قوية في بعض الدول الناطقة بها، خصوصًا في منطقة الخليج. كما أشار إلى وجود رغبة عالمية في تعلمها، حيث يوجد 133 قسمًا لتدريس العربية في الولايات المتحدة، وأن تعليمها في أوروبا يعود إلى عام 1311 في مجمع فيينا، ثم في معهد القراء الملكيين في فرنسا عام 1530، بل ودخلت تعليمًا قبل استقلال الولايات المتحدة الأمريكية.
وعند التطرق إلى أطروحات الكاتب سكوت مونتغمري في كتابه “Does Science Need a Global Language؟” حول هيمنة الإنجليزية كلغة علم عالمية، أوضح الغميز أن الإنجليزية تُعد لغة فائقة، إلا أن هذه الفرضية واجهت ردودًا علمية، من بينها ما طرحه الدكتور عبد الله البريدي في كتابه “اللغة لا تحمي ذاتها”. وأشار إلى أن نسبة المحتوى الإنجليزي على الإنترنت كانت تبلغ 80% عام 2000، وكان يُتوقع أن تكتسح الإنجليزية الفضاء الرقمي، غير أن النسبة تراجعت إلى 25% عام 2020، في حين تضاعف المحتوى العربي بأكثر من 3000% بعدما كان أقل من 1%، ليصل اليوم إلى أكثر من 8000% مقارنة بنقطة انطلاقه المتواضعة.
وأكد أن القول بحاجة العلوم إلى لغة عالمية واحدة لا يحظى بإجماع سياسي، مشيرًا إلى أن الهدف ليس ترجمة الذات إلى العالم، بل أن يتعلم العالم اللغة العربية بوصفها مرفدًا اقتصاديًا وقوة ناعمة.
اقرأ أيضًا :
الجزيرة العربية قبل التأسيس.. فوضى وأوضاع مضطربة!
رحلة ترائي هلال رمضان.. من المشاعل إلى المراصد الفلكية الحديثة














