قد يبدو تحويل مياه البحر إلى مياه عذبة عملية بسيطة: يُؤخذ الماء ويُفصل عنه الملح ليصبح صالحًا للاستخدام. لكن خلف كل متر مكعب يصل إلى الصنبور عملية فصل معقدة تستهلك قدرًا كبيرًا من الطاقة، إذ لا ينفصل الملح الذائب عن الماء تلقائيًا، بل يتطلب انتزاعه ضغطًا مرتفعًا ومعدات متخصصة تعمل باستمرار. ومع توسع الاعتماد على التحلية، يبرز سؤال عن أسباب هذا الاستهلاك الكبير للطاقة ووجهته داخل محطات التحلية.

لماذا تحتاج التحلية إلى الطاقة؟

تكمن المفارقة في أن التحلية توفر مصدرًا مهمًا للمياه، لكنها تحتاج في المقابل إلى استهلاك مستمر للطاقة لتجاوز الطبيعة الكيميائية للمياه المالحة وفصل مكوناتها.

وتبرز أهمية ذلك في تقنية التناضح العكسي، التي تدفع مياه البحر عبر أغشية شبه منفذة باستخدام ضغط مرتفع، فتمر جزيئات الماء بينما تحتجز الأغشية معظم الأملاح. وكلما ارتفعت ملوحة المياه، زاد الضغط المطلوب لإتمام الفصل، وبالتالي ازداد استهلاك الطاقة.

وتوضح دراسة نُشرت في عام 2024 أن استهلاك محطات التناضح العكسي لمياه البحر يتراوح عادة بين 2.5 و4 كيلوواط ساعة لكل متر مكعب من المياه المنتجة، وهو استهلاك يعكس الطاقة اللازمة لمراحل المعالجة والضخ والفصل مجتمعة لا الضغط وحده؛ إذ تتداخل كفاءة المضخات والأغشية وتصميم المحطة وظروف تشغيلها في تحديد الكمية النهائية.

أين تذهب الطاقة داخل المحطة؟

لا يقتصر استهلاك الطاقة على المضخات؛ إذ يتوزع بين سحب مياه البحر، والمعالجة المسبقة، ونظام التناضح العكسي، والمعالجة اللاحقة، ومرافق أخرى. ووفقًا لتقرير الهيئة السعودية للمياه لعام 2025، يبلغ متوسط استهلاك منظومة التناضح العكسي في نموذج المحطة الوارد بالتقرير نحو 2.4 كيلوواط ساعة لكل متر مكعب، أي ما يعادل 71% من إجمالي الاستهلاك، مقابل 15% للمعالجة المسبقة و6% لسحب المياه، ما يجعل منظومة الفصل نفسها أكبر مكونات استهلاك الطاقة في النموذج المذكور.

كيف يمكن تقليل الاستهلاك؟

تبدأ كفاءة التحلية بتحسين المعدات الأكثر استهلاكًا للطاقة، وفي مقدمتها المضخات عالية الضغط، إلى جانب تطوير الأغشية وتقليل مقاومة تدفق المياه. ومن الحلول المهمة أيضًا أجهزة استعادة الطاقة، التي تستفيد من الضغط المتبقي في المحلول الملحي الخارج من النظام وتنقل جزءًا من طاقته إلى مياه البحر الداخلة، ما يقلل الحمل المطلوب من المضخات.

وتقدّم محطة الجبيل 3A في السعودية مثالًا على إمكانية الجمع بين كفاءة التحلية والطاقة المتجددة؛ إذ تبلغ طاقتها الإنتاجية 600 ألف متر مكعب من المياه يوميًا، وتستخدم تقنية التناضح العكسي بمعدل استهلاك يقل عن 2.8 كيلوواط ساعة لكل متر مكعب. كما شمل المشروع إنشاء محطة للطاقة الشمسية الكهروضوئية بقدرة 45.5 ميغاواط، لتوفير جزء من احتياجات تشغيل منشأة التحلية.

كفاءة التحلية.. معركة تتجاوز الأغشية

تقترب محطات التناضح العكسي الحديثة من الحد الأدنى العملي لاستهلاك الطاقة، بحسب مراجعة علمية نُشرت في Nature Reviews Clean Technology عام 2026. لذلك لم تعد فرص التطوير محصورة في ابتكار أغشية أكثر كفاءة، بل تشمل تقليل الفاقد في جميع مراحل التشغيل، وتحسين تصميم الأنظمة والمضخات وأجهزة استعادة الضغط، إلى جانب الاعتماد على مصادر كهرباء منخفضة الانبعاثات.

وهكذا، لا يُعد استهلاك الطاقة في التحلية تفصيلًا تشغيليًا يمكن تجاهله، بل نتيجة أساسية لعملية فصل الأملاح عن الماء. وبينما تقترب التقنيات الحديثة من الحدود العملية للكفاءة، يبقى تحسين المضخات واستعادة الضغط وتقليل الفاقد، إلى جانب الاعتماد على الطاقة المتجددة، من أهم المسارات لجعل إنتاج المياه العذبة أقل استهلاكًا للطاقة وأكثر استدامة.