ليس كل انخفاض في سكر الدم حالة واحدة، حتى لو تشابهت بدايتها، فالشخص الذي لا يزال واعيا وقادرا على البلع يمكنه غالبا التعامل مع الهبوط بتناول كمية محسوبة من السكر وإعادة القياس بعد 15 دقيقة، أما من اختل وعيه أو فقد القدرة على البلع فقد يصبح إعطاؤه رشفة من العصير تصرفا خطرا، ويحتاج بدلا من ذلك إلى مساعدة طبية عاجلة.
هذا الفارق هو ما يجعل التعامل مع انخفاض السكر مسألة تتطلب تمييزا سريعا بين حالتين، لا مجرد تناول شيء حلو كلما شعر المرء بالجوع أو الدوار، فكلما تأخر التعرف إلى طبيعة الهبوط، زادت احتمالات تطوره إلى حالة يصعب على المصاب التعامل معها بنفسه.
ما هو انخفاض السكر في الدم؟
ولكي يتضح سبب اختلاف التصرف من حالة إلى أخرى، لا بد من فهم ما يحدث داخل الجسم عند انخفاض الجلوكوز، وهو السكر الذي تعتمد عليه الخلايا للحصول على الطاقة، ويحتاج إليه الدماغ بصفة خاصة حتى يؤدي وظائفه بصورة طبيعية. وعندما يتراجع مستواه في الدم، يبدأ الجسم في إطلاق إشارات تحذيرية، بعضها ينبه الشخص إلى ضرورة تناول الطعام، وبعضها الآخر يظهر عندما لا يحصل الدماغ على ما يكفيه من الطاقة.
أعراض انخفاض السكر
وهنا تظهر أهمية الانتباه إلى العلامات الأولى، لأن الجسم غالبا ما يمنح الشخص فرصة للتصرف قبل أن تتفاقم الحالة. وقد تبدأ الأعراض بإحساس مفاجئ بالجوع أو التعرق، يصاحبه ارتعاش في اليدين أو تسارع ضربات القلب، وقد يشعر المصاب بالقلق أو العصبية من دون سبب واضح، أو يعاني دوخة وصداعا وإرهاقا ووخزا حول الفم.
ولا تتوقف خطورة الأعراض عند الإحساس الجسدي، إذ قد ينتقل تأثير انخفاض الجلوكوز إلى وظائف الدماغ، فيجد الشخص صعوبة في التركيز أو الكلام بوضوح، أو يعاني تشوش الرؤية والارتباك وتغير السلوك. ومع استمرار الهبوط من دون علاج، قد يفقد القدرة على الاستجابة أو يصاب بالتشنجات أو يفقد الوعي، وهي مرحلة لا يعود فيها قادرا على تنفيذ خطوات العلاج بنفسه، ما يجعل تدخل المحيطين به ضروريا. وتختلف سرعة ظهور هذه العلامات وحدتها من شخص إلى آخر، كما أن تكرار نوبات الهبوط قد يجعل بعض المصابين أقل قدرة على ملاحظة الإنذارات المبكرة.
ما أسباب انخفاض السكر في الدم؟
وتتضح أسباب الهبوط أكثر عندما ننظر إلى العلاقة بين مستوى الجلوكوز والأنسولين، فالسبب الأكثر شيوعا لدى المصابين بالسكري هو العلاج نفسه، خصوصا تناول جرعة من الأنسولين أكبر من حاجة الجسم، أو استخدام بعض الأدوية التي تحفز البنكرياس على إفرازه. وقد يحدث ذلك عندما يتناول الشخص دواءه ثم يؤخر وجبته أو يأكل كمية أقل من المعتاد، فتظل كمية الأنسولين أو تأثير الدواء أكبر مما يحتاج إليه الجسم في ذلك الوقت.
وقد يؤدي النشاط البدني الزائد عن المعتاد إلى النتيجة نفسها، لأن العضلات تستهلك مزيدا من الجلوكوز أثناء الحركة، وقد يستمر تأثير التمرين في مستوى السكر ساعات بعد انتهائه، وفي بعض الحالات يمتد إلى 24 ساعة. كما يزيد تناول الكحول من دون طعام احتمال الهبوط، إذ يؤثر في قدرة الكبد على إطلاق الجلوكوز المخزن والحفاظ على مستواه في الدم، وقد يضعف في الوقت نفسه قدرة الشخص على ملاحظة العلامات الأولى.
أما لدى غير المصابين بالسكري، فانخفاض السكر المتكرر حالة أقل شيوعا، ولا ينبغي نسبته تلقائيا إلى تفويت وجبة أو الشعور بالجوع. فقد يرتبط ببعض الأدوية أو أمراض شديدة تؤثر في الكبد أو الكلى، أو باضطرابات هرمونية، وفي حالات نادرة قد ينتج عن ورم في البنكرياس يفرز الأنسولين. ولهذا يحتاج تكرار الأعراض أو ظهورها من دون سبب واضح إلى تقييم طبي يبحث عن العامل المسؤول، بدلا من الاكتفاء بتناول السكر كلما عادت المشكلة.
ماذا تفعل عند انخفاض السكر؟
وبعد معرفة العلامات التي تنذر بالهبوط والأسباب التي قد تقف وراءه، يصبح التصرف الأول مرهونا بحالة المصاب لحظة ظهور الأعراض. فإذا كان واعيا وقادرا على البلع بأمان، يمكنه الاستعانة بقاعدة 15/15، وهي طريقة شائعة للتعامل مع انخفاض السكر لدى مرضى السكري، وتعتمد على تناول 15 غراما من الكربوهيدرات سريعة الامتصاص، ثم الانتظار 15 دقيقة قبل إعادة قياس مستوى الجلوكوز.
ويمكن الحصول على هذه الكمية من نصف كوب تقريبا من عصير الفاكهة العادي، أو ملعقة كبيرة من السكر أو العسل، أو أقراص الجلوكوز بالكمية المحددة على العبوة. والأفضل اختيار مصدر سريع الامتصاص، لأن الأطعمة الغنية بالدهون أو الألياف قد تؤخر وصول السكر إلى الدم، ولذلك لا يكون الشوكولاتة مثلا الخيار الأنسب لعلاج الهبوط في اللحظة الأولى.
فإذا أظهر القياس بعد 15 دقيقة أن السكر لا يزال أقل من المعدل تكرر الجرعة نفسها ثم يعاد القياس، وتستمر الخطوات حتى يعود المستوى إلى النطاق المستهدف. وبعد التحسن، قد يحتاج المصاب إلى تناول وجبة أو وجبة خفيفة تجمع بين الكربوهيدرات والبروتين، خصوصا إذا كان موعد وجبته التالية بعيدا، لتقليل احتمال عودة الانخفاض بعد انتهاء تأثير السكر سريع الامتصاص. وقد تختلف الكمية المناسبة للأطفال، لذلك لا ينبغي تطبيق جرعة البالغين عليهم تلقائيا.
متى يصبح انخفاض السكر حالة طارئة؟
لكن قاعدة 15/15 تتوقف عند الحد الذي يفقد فيه المصاب القدرة على تنفيذها، فإذا تعرض للإغماء أو التشنجات، أو أصبح مشوشا إلى درجة لا يستطيع معها البلع بأمان، فلا يجوز إعطاؤه العصير أو الماء أو السكر عن طريق الفم، لأن ذلك قد يؤدي إلى دخول الطعام أو السوائل إلى مجرى التنفس. والتصرف الصحيح في هذه الحالة هو طلب الإسعاف فورا، ووضع الشخص على جانبه في وضع الإفاقة إذا كان يتنفس، وعدم تركه وحده.
انخفاض السكر أثناء النوم
وقد يصعب تطبيق هذه القواعد عندما يحدث الهبوط أثناء النوم، لأن المصاب قد لا يستيقظ أو لا ينتبه إلى الأعراض التي كانت ستدفعه إلى قياس السكر وتناول ما يحتاج إليه. ومن العلامات التي قد تثير الشك في حدوث انخفاض ليلي، الاستيقاظ مع تعرق شديد بلل ملابس النوم أو أغطية السرير، أو الشعور بالتعب والارتباك والعصبية في الصباح، فضلا عن الأحلام المزعجة أو الاستيقاظ المتكرر خلال الليل.
ولا تكفي هذه العلامات وحدها لتأكيد حدوث الهبوط، لكنها تستدعي مراجعة قياسات السكر، خصوصا لدى من يستخدمون الأنسولين أو أدوية قد تسبب انخفاض الجلوكوز. وقد يحتاج الطبيب إلى مراجعة الجرعات أو توقيت العلاج والوجبات والنشاط البدني، أو الاستعانة بأجهزة متابعة السكر المستمرة إذا كانت مناسبة للحالة.
كيف تتجنب تكرار انخفاض السكر؟
وتبدأ الوقاية من معالجة الظروف التي أدت إلى الهبوط في المرة الأولى، فالالتزام بمواعيد الوجبات، وعدم تأخير الطعام بعد تناول الأدوية، ومراقبة مستوى السكر في الأوقات التي يوصي بها الطبيب، كلها خطوات تساعد على اكتشاف الانخفاض قبل أن يتفاقم. وينبغي أيضا الانتباه إلى تأثير النشاط البدني، ومراجعة خطة الطعام والعلاج عند زيادة المجهود أو تغير نمط الحياة، مع الاحتفاظ بمصدر سريع للجلوكوز خارج المنزل تحسبا لأي نوبة مفاجئة.
أما تكرار الانخفاض، فيحتاج إلى مراجعة الطبيب بدلا من التعامل مع كل نوبة باعتبارها حادثا منفصلا، فقد يكون تكرارها مؤشرا إلى أن جرعات العلاج أو مواعيده لم تعد مناسبة، أو أن هناك سببا صحيا آخر يحتاج إلى الفحص. ومن المهم أن يعرف أفراد الأسرة والمقربون من المصاب العلامات المبكرة للهبوط، وأن يدركوا الفرق بين من يستطيع تناول السكر بنفسه ومن يحتاج إلى إسعاف عاجل، لأن هذه المعرفة قد تكون حاسمة عندما لا يعود المصاب قادرا على طلب المساعدة.
وهكذا يتضح أن التعامل الآمن مع انخفاض السكر لا يبدأ باختيار العصير أو أقراص الجلوكوز، وإنما بتقدير حالة الشخص أولا، فحين يظل واعيا وقادرا على البلع يمكن أن تكون قاعدة 15/15 خطوة مناسبة، أما فقدان الوعي أو العجز عن البلع فينقلان الموقف إلى مسار مختلف تماما يحتاج إلى تدخل طارئ. وبين الحالتين تكمن أهمية التعرف المبكر إلى الأعراض وفهم أسبابها، حتى لا يتحول هبوط يمكن التعامل معه إلى أزمة كان من الممكن تفاديها.




