حين تبحر سفينة من آسيا إلى أوروبا، يحدد الطريق المختار عدد الأيام التي تقضيها في البحر قبل بلوغ وجهتها. تمر السفن عبر المحيط الهندي، ثم مضيق باب المندب والبحر الأحمر، لتصل إلى قناة السويس ومنها إلى البحر المتوسط. وإذا تعذّر هذا المسار، يبقى أمامها طريق عبر رأس الرجاء الصالح في أقصى جنوب أفريقيا، يضيف أيامًا إلى الرحلة.

بين هذين الطريقين تتضح أهمية باب المندب؛ فالمضيق ليس واسعًا، لكنه يقع عند مدخل البحر الأحمر الجنوبي، في نقطة تصل حركة الملاحة بين آسيا وأوروبا. وتكمن قيمته في المسافة والوقت اللذين يوفرهما على السفن العابرة بين القارتين.

جغرافيا صنعت الأهمية

يمتد باب المندب نحو 113 كيلومترًا بين الساحل الجنوبي الغربي لشبه الجزيرة العربية والقرن الأفريقي. تقع اليمن إلى شرقه، فيما تطل عليه إريتريا وجيبوتي من الغرب، ويربط بين خليج عدن والبحر الأحمر.

وفي أضيق أجزائه، تقع جزيرة بريم، المعروفة أيضًا باسم ميّون، فتقسم المضيق إلى ممرين: غربي يبلغ عرضه نحو 26 كيلومترًا، وشرقي لا يتجاوز نحو 3 كيلومترات. وإلى الجنوب قليلًا، تنتشر جزر الإخوة السبعة قبالة ساحل جيبوتي.

لكن أهمية هذه الجغرافيا لا تتوقف عند شكل المضيق وحدوده؛ فموقعه هو ما يربطه بطريق بحري يمتد آلاف الكيلومترات، ومنه تتجه السفن شمالًا عبر البحر الأحمر إلى قناة السويس، التي تصله بالبحر المتوسط.

قناة السويس ومسار التجارة

افتُتحت قناة السويس عام 1869، فأتاحت للسفن الانتقال بين البحر الأحمر والبحر المتوسط من دون الالتفاف حول الطرف الجنوبي لأفريقيا. ومع هذا التحول، ازدادت حركة الملاحة في البحر الأحمر وعبر باب المندب، وسرعان ما أصبح المسار المار بالقناة الطريق المفضّل للشحن بين أوروبا وآسيا.

وهكذا عززت قناة السويس مكانة البحر الأحمر في التجارة البحرية، فيما بقي باب المندب مدخله الجنوبي الذي تعبر منه السفن القادمة من المحيط الهندي. وأصبح تعطل الملاحة عند هذا المدخل قادرًا على دفع شركات الشحن إلى تغيير مسار الرحلة بأكملها.

عشرة أيام إضافية أو أكثر

برز هذا الاحتمال بوضوح مع اضطرابات الملاحة في البحر الأحمر، التي دفعت شركات شحن إلى تجنب المنطقة واللجوء إلى طريق حول رأس الرجاء الصالح.

وفي تحليل نشره مركز أبحاث السياسات الاقتصادية (CEPR) في 26 أبريل 2024، قُدّرت الزيادة في مدة الرحلات بين آسيا وأوروبا بنحو 10 إلى 14 يومًا عند تحويل السفن إلى المسار البديل. وفي تقريرها الصادر في سبتمبر 2025، تناولت الأونكتاد الضغوط التي تواجه التجارة البحرية، وأشارت إلى أن بعض السفن باتت تسلك طريقًا حول أفريقيا يستغرق أسابيع بدلًا من أيام عبر البحر الأحمر.

هذه الأيام الإضافية تعني أن السفن تحتاج إلى وقت أطول للوصول، وأن مواعيد تسليم الشحنات قد تتأخر، فيما تتغير تكاليف النقل تبعًا لطول الرحلة وظروف السوق. ومع ذلك، لا تكون التداعيات الاقتصادية متساوية في كل الحالات؛ فقد أشار تحليل CEPR إلى عوامل حدّت من الأثر على التجارة والتضخم ، من بينها توافر طاقة شحن احتياطية، وضعف نسبي في الطلب العالمي، ووجود مخزونات لدى الشركات.

وتكشف هذه التجربة أن أهمية باب المندب لا ترتبط بحجم البضائع التي تمر عبره في لحظة بعينها فحسب، بل أيضًا بصعوبة تعويض الطريق الذي يختصره. فالسفن تستطيع تغيير مسارها، لكن البديل أطول، وما يترتب عليه يتوقف على مدة الاضطراب والظروف التي تعمل فيها التجارة العالمية.

من أين جاء اسم «باب الدموع»؟

تحمل تسمية المضيق دلالة على المخاطر التي عرفتها الملاحة فيه. فاسم «باب المندب» يعني «باب الدموع» أو «باب الحزن»، وتربط ناشيونال جيوغرافيك هذه التسمية بالتيارات البحرية المتقاطعة، والرياح التي يصعب التنبؤ بها، والشعاب والحواجز الرملية التي جعلت العبور محفوفًا بالمخاطر عبر قرون. وتورد الموسوعة البريطانية تفسيرًا مماثلًا للاسم.

وتضيف هذه الظروف إلى أهمية موقعه تحديًا ملاحيًا؛ فالمضيق يجمع بين كونه معبرًا رئيسيًا على طريق التجارة، وطبيعة بحرية تتطلب الحذر من السفن العابرة.

أقصر من أن يُستغنى عنه

تفسر الجغرافيا والتاريخ معًا أهمية باب المندب. فافتتاح قناة السويس جعل الطريق الأقصر عبر البحر الأحمر بين آسيا وأوروبا، وموقع المضيق عند مدخله الجنوبي جعله جزءًا أساسيًا من هذا المسار.

وعندما تتعذر الملاحة فيه، لا يتوقف النقل البحري بين القارتين بالضرورة، لكنه يواجه خيارًا أطول حول أفريقيا، قد يضيف ما بين 10 و14 يومًا إلى الرحلة وفق تقدير CEPR.

في نهاية الأمر، لا تكمن أهمية باب المندب في مساحته، بل في موقعه على خريطة التجارة العالمية: ممر يصل طريقًا بحريًا بآخر، ويختصر على السفن رحلة طويلة. ومن هنا، فإن أي اضطراب عنده يتجاوز حدود المضيق إلى الوقت والتكلفة اللذين تحتاجهما البضائع للوصول بين آسيا وأوروبا.