لماذا يستعيد الإنسان في حلمه ذكرى قديمة، أو يعيش كابوسًا عن خطر لم يتعرض له، ثم يستيقظ بمشاعر مختلفة تجاه تجربة مر بها في الواقع؟.. لا تزال الإجابة النهائية عن سبب الأحلام غائبة، لكن أبحاث النوم بدأت تكشف صلات بين ما يراه الإنسان أثناء نومه وبين طريقة معالجة الدماغ للذكريات والانفعالات، وبينما تشير دراسات إلى أن الأحلام قد ترتبط بتثبيت المعلومات أو تخفيف الاستجابة العاطفية لبعض التجارب، تكشف أبحاث أخرى أن النشاط الحلمي لا يقتصر على مرحلة واحدة من النوم، وأن بعض الأشخاص قد يمرون بتجارب حلمية دون أن يتذكروها عند الاستيقاظ.

يتعامل العلم مع الأحلام باعتبارها تجارب ذهنية تتضمن صورًا وأفكارًا ومشاعر وإحساسًا بالحركة، تحدث أثناء النوم، وعلى الرغم من التقدم في رصد نشاط الدماغ المصاحب لها، لا يزال تحديد وظيفتها الأساسية موضع بحث.

معالجة الخبرات اليومية خلال النوم

بحسب باحثين، أحد التفسيرات المطروحة هو أن الأحلام تعكس استمرار معالجة الخبرات اليومية أثناء النوم، ووفق فرضية الاستمرارية، قد تظهر في الأحلام أحداث ومخاوف واهتمامات تشغل الإنسان في حياته الواقعية، دون أن تُعاد بالضرورة كما حدثت، إذ يمكن أن تختلط الذكريات بمواقف وأشخاص وأحداث لم تجتمع في الواقع بالطريقة نفسها.

وهناك تفسير آخر يربط الأحلام بمعالجة المشاعر، ويفترض أنها قد ترتبط بالتغيرات التي تطرأ على الاستجابة الانفعالية للخبرات بعد النوم. كما تقترح «نظرية محاكاة التهديد» أن بعض الأحلام، خصوصًا التي تتضمن أخطارًا ومواقف مخيفة، قد توفر بيئة افتراضية لمحاكاة التهديدات والتدرب على مواجهتها.

ناقش الباحثان كاتيا فالي وأنتي ريفونسو الأدلة المؤيدة لهذه النظرية والمعارضة لها في "مراجعة منشورة في «The American Journal of Psychology» عام 2009".

هل تساعد الأحلام على التعامل مع الذكريات المؤلمة؟

اختبر باحثون في دراسة نشرتها دورية «Scientific Reports» في 15 أبريل 2024، بعنوان "«دليل على دور نشط للأحلام في معالجة الذاكرة الانفعالية»"، العلاقة بين تذكر الأحلام والتغيرات التي تطرأ على الذاكرة والاستجابة العاطفية بعد النوم.

شملت الدراسة 125 امرأة بالغة يتمتعن بصحة جيدة، بمتوسط عمر يقارب 34 عامًا. شاركت 50 منهن في التجربة داخل مختبر للنوم، بينما أُجريت الاختبارات مع 75 مشاركة عن بعد، وقبل النوم، عرض الباحثون صورًا سلبية وأخرى محايدة، ثم اختبروا قدرة المشاركات على تذكرها وتقييم استجابتهن العاطفية لها في اليوم التالي.

ومن بين 122 مشاركة قدّمن بيانات عن الأحلام، تذكرت 51 مشاركة أحلامًا، بينما لم تتذكرها 71 مشاركة. وأظهرت النتائج أن المجموعة التي تذكرت أحلامها احتفظت بذكريات الصور السلبية بدرجة أكبر مقارنة بالصور المحايدة، بينما لم يظهر النمط نفسه لدى المجموعة الأخرى. وفي الوقت نفسه، انخفضت الاستجابة العاطفية للصور السلبية لدى مجموعة من تذكرن أحلامهن.

يدرس الباحثون أيضًا ما إذا كان محتوى الأحلام يرتبط بقدرة الإنسان على الاحتفاظ بالمعلومات التي تعلمها قبل النوم.

في تحليل تجميعي نشرته دورية «Sleep» عام 2023، راجع باحثون 16 دراسة تضمنت 45 نتيجة بحثية لفحص العلاقة بين ظهور معلومات مرتبطة بمهمة تعليمية داخل الأحلام وتحسن الذاكرة بعد النوم. ووجد التحليل ارتباطًا ذا دلالة إحصائية بين الأمرين، بحجم أثر مجمّع بلغ 0.51، وفق "الدراسة المنشورة في دورية «Sleep»".

وتشير النتائج إلى أن ظهور معلومات مرتبطة بالتعلم داخل الأحلام قد يكون علامة على عمليات تثبيت الذاكرة التي تحدث أثناء النوم. لكنها لا تثبت أن الحلم نفسه هو الذي يحسن الذاكرة؛ فقد يكون محتوى الحلم انعكاسًا لنشاط عصبي يعالج المعلومات في أثناء النوم، دون أن تكون التجربة الحلمية هي السبب المباشر للتحسن.

أين تحدث الأحلام داخل الدماغ؟

ارتبطت الأحلام بمرحلة حركة العين السريعة، التي يتميز خلالها الدماغ بنشاط مرتفع نسبيًا، وتظهر فيها التجارب الحلمية الحية بصورة شائعة، لكن الأبحاث أظهرت أن الأحلام لا تقتصر على هذه المرحلة، ويمكن الإبلاغ عنها بعد الاستيقاظ من مراحل النوم غير المصحوب بحركة العين السريعة أيضًا.

في دراسة نشرتها دورية «Nature Neuroscience» عام 2017، استخدم باحثون تخطيطًا كهربائيًا عالي الكثافة للدماغ، وأيقظوا المشاركين في مراحل مختلفة من النوم، ثم سألوهم عما إذا كانوا قد مروا بتجربة حلمية قبل الاستيقاظ.

وجد الباحثون أن الإبلاغ عن تجربة حلمية ارتبط بانخفاض النشاط الكهربائي منخفض التردد في منطقة خلفية من القشرة الدماغية، سواء خلال مرحلة حركة العين السريعة أو النوم غير المصحوب بها، كما ارتبط النشاط في مناطق معينة بمحتوى التجارب الحلمية، بما يشمل الوجوه والأماكن والحركة والكلام.

وأطلق الباحثون على المنطقة الخلفية المرتبطة بهذه الأنماط اسم «المنطقة الساخنة الخلفية» (posterior hot zone). وفي تجربة منفصلة، استطاعوا استخدام مراقبة النشاط الكهربائي في هذه المنطقة للتنبؤ بما إذا كان المشاركون سيبلغون عن تجربة حلمية بعد الاستيقاظ من النوم غير المصحوب بحركة العين السريعة.

قد يستيقظ شخص وهو يتذكر تفاصيل حلم طويل، بينما لا يتذكر آخر أي تجربة حلمية، رغم أن كليهما نام طوال الليل، ولا يعني هذا الاختلاف بالضرورة أن أحدهما حلم والآخر لم يحلم؛ فتذكّر التجربة يتأثر أيضًا بظروف النوم والاستيقاظ والعمليات العصبية المرتبطة بتسجيل الخبرات واستعادتها.