في شمال شرقي مكة المكرمة، يحتفظ وادي العسيلة بشواهد تاريخية توثق جانبًا من الحياة في صدر الإسلام، وتكشف عن الدور الذي أداه الموقع في حركة الإنسان وقوافل الحجاج على الطرق القديمة المؤدية إلى العاصمة المقدسة. ويضم الوادي أكثر من 60 نقشًا إسلاميًا، إلى جانب بئرين تاريخيتين لا تزالان قائمتين من أصل أربع آبار ارتبطت بالموقع عبر فترات تاريخية مختلفة.
يتمتع الوادي بموقع لافت عند حد الحرم من جهة الجعرانة، ويمتد بين منطقتي البرود والأبطح، بمحاذاة الشرائع من الجهة الشمالية الغربية، من ريع النقراء إلى ريع أم السلم. ويبلغ طوله نحو ستة كيلومترات، فيما يصل عرضه إلى قرابة كيلومترين.
وعُرفت المنطقة في فترات سابقة باسم "شِعب بني عبدالله بن خالد بن أسيد"، نسبة إلى عبدالله بن خالد بن أسيد، الذي تولى إمارة مكة المكرمة خلال خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه.
نقوش توثق بدايات تطور الخط العربي
تنتشر النقوش الإسلامية على صخور جبال الوجرة وصخرة القمع، وتتركز في ثلاثة جبال هي الوجرة الكبير، والوجرة الصغير، وجبل أبو سرة. ويرجع تاريخ هذه النقوش إلى القرنين الأول والثاني الهجريين، الموافقين للقرنين السابع والثامن الميلاديين، ما يمنحها أهمية خاصة في دراسة الكتابة العربية خلال مرحلة مبكرة من التاريخ الإسلامي.
من بين الشواهد البارزة نقش يحمل اسم صفية بنت شيبة بن عثمان، وآخر باسم محمد بن عبدالرحمن بن هاشم، ويعود كلاهما إلى القرن الأول الهجري. ولا تقتصر قيمة هذه النقوش على قدمها، إذ تقدم الأسماء والكتابات الواردة فيها معلومات تساعد على قراءة جوانب من الحياة الاجتماعية خلال صدر الإسلام، وتتبع تطور الخط العربي في تلك الفترة.
لم يكن وجود هذه الشواهد منفصلًا عن حركة الناس في المنطقة، إذ شكّل الوادي ممرًا طبيعيًا للتنقل، وارتبط بالطرق التاريخية المؤدية إلى مكة المكرمة، ومنها طرق القوافل القادمة من العراق. وأسهم موقعه في جعله محطة ضمن مسارات الحج القديمة، ما انعكس على النشاط البشري الذي شهدته المنطقة المحيطة به.
آبار ارتبطت بخدمة الحجاج والمسافرين
حظي الوادي باهتمام خلفاء وسلاطين المسلمين وأمراء مكة المكرمة، الذين عملوا على توفير مصادر مياه صالحة للشرب للحجاج والمسافرين. وشُيدت آبار بالقرب من مواقع النقوش، ولم تكن المسافة بين بعضها تتجاوز 200 متر.
ولا يزال في الوادي بئران تاريخيتان قائمتان من أصل أربع آبار، فيما تشير المصادر التاريخية إلى اهتمام الدولة العباسية بتوفير المياه لقوافل الحجاج في المنطقة، ومن ذلك آبار أُمر بحفرها في عهد الخليفة العباسي المقتدر بالله.
تجمع هذه الشواهد بين النقوش والآبار، لتقدم صورة عن موقع لم يكن مجرد محطة على طريق قديم، بل جزءًا من منظومة أوسع لخدمة الحجاج والمسافرين، وتوثيق حركة البشر على الطرق المؤدية إلى مكة المكرمة.
وتمنح هذه العناصر وادي العسيلة قيمة علمية وثقافية، بما توفره من مادة لدراسة التاريخ الحضاري لمكة المكرمة وتطور الخط العربي ومسارات الحج القديمة. كما تبرز الحاجة إلى الحفاظ على النقوش والآبار من عوامل التعرية والعبث، باعتبارها جزءًا من الذاكرة التاريخية للعاصمة المقدسة ومصدرًا مهمًا للباحثين والمهتمين بالتاريخ والآثار.
وفي هذا السياق، تعمل الهيئة الملكية لمدينة مكة المكرمة والمشاعر المقدسة على تنفيذ استراتيجية لصون المواقع التاريخية والأثرية وتحويلها إلى وجهات ثقافية مستدامة، بما يتيح للزوار التعرف على تاريخ مكة المكرمة، ويدعم مستهدفات رؤية السعودية 2030 في المحافظة على الموروث الوطني وإثرائه.




