تصدرت الولايات المتحدة بفارق كبير عن بقية دول العالم في أحدث إحصاءات القتلة المتسلسلين، وفقا لتقرير جامعة "رادفورد" بالتعاون مع جامعة ساحل الخليج في فلوريدا (Radford/FGCU) لعام 2026، والذي يرصد القتلة المتسلسلين الذين جرى تحديدهم وتوثيقهم حسب البلد.
وبحسب تقرير نشره موقع "Visual Capitalist"، فإن البيانات تعكس الحالات التي جرى اكتشافها وتوثيقها، ولا تمثل بالضرورة الانتشار الفعلي لجرائم القتل المتسلسل حول العالم، إذ يمكن أن تؤثر عوامل مثل كفاءة إنفاذ القانون، وتصنيف الجرائم، وإمكانية الوصول إلى السجلات، ومستويات الإبلاغ، في عدد الحالات المسجلة بكل دولة.
الولايات المتحدة تهيمن على الحالات الموثقة
يعرض التقرير الدول التي تضم 10 قتلة متسلسلين موثقين على الأقل، مع استبعاد المجرمين الذين امتدت جرائمهم عبر دول متعددة. وتعرّف جامعة "رادفورد" القاتل المتسلسل بأنه شخص يرتكب جريمة قتل غير مشروعة بحق ضحيتين أو أكثر، في حوادث منفصلة.
وتكشف البيانات، التي تغطي الحالات الموثقة منذ عام 1900 وحتى اليوم، عن تفاوت كبير في أعداد القتلة المتسلسلين بين الدول.
وتتصدر الولايات المتحدة القائمة بفارق هائل، بعدما سجلت 3,803 قتلة متسلسلين موثقين، بما يمثل 62.91% من إجمالي الحالات المسجلة عالميا. وجاءت إنجلترا في المرتبة الثانية بـ 188 حالة، بنسبة 3.11%، تلتها روسيا بـ 172 حالة بنسبة 2.85%، ثم أستراليا بـ 153 حالة (2.53%)، واليابان بـ 145 حالة بنسبة 2.40%.
وحلت الهند في المركز السادس بـ 135 حالة بنسبة 2.23%، تلتها جنوب إفريقيا بـ 132 حالة بنسبة 2.18%، ثم كندا بـ 130 حالة 2.15%. وأكملت ألمانيا وإيطاليا قائمة الدول العشر الأولى، بـ 105 حالات بنسبة 1.74% و102 حالة بنسبة 1.69% على التوالي.
وفي المراكز التالية، سجلت فرنسا 97 حالة 1.60% والمكسيك 73 حالة بنسبة 1.21%، والصين 69 حالة 1.14%، بينما سجلت البرازيل 46 حالة 0.76%. وتساوت بولندا وإسبانيا عند 31 حالة لكل منهما، بنسبة 0.51%، تلتها المجر بـ 30 حالة 0.50%.
وضمت بقية الدول المدرجة في القائمة: كولومبيا بـ 29 حالة 0.48%، واسكتلندا بـ 27 حالة 0.45%، وكوريا الجنوبية بـ 24 حالة 0.40%، والأرجنتين بـ 21 حالة 0.35%، وهولندا بـ 20 حالة 0.33%.
وسجلت كل من السويد والنمسا 18 حالة 0.30% لكل منهما، بينما سجلت أوكرانيا وبلجيكا 16 حالة 0.26%، وسويسرا 15 حالة 0.25%، وإيران 14 حالة 0.23%، وباكستان 13 حالة 0.22%، وتشيلي 12 حالة 0.20%.
واختتمت القائمة نيوزيلندا والدنمارك بـ 11 حالة 0.18% لكل منهما، فيما سجلت أيرلندا وبيرو 10 حالات 0.17% لكل منهما.
لماذا تتصدر الولايات المتحدة؟
لا يعني هذا التفاوت أن الأمريكيين أكثر عرضة بطبيعتهم لأن يصبحوا قتلة متسلسلين. ويرى الباحث مايك آمودت من جامعة "رادفورد" أن أحد التفسيرات الرئيسية لارتفاع الرقم الأمريكي يتمثل في سهولة اكتشاف الحالات وتوثيقها، في ظل توافر سجلات الشرطة والسجون والسجلات العامة بدرجة أكبر مقارنة بالعديد من الدول الأخرى.
وبالتالي، فإن هذه الأرقام تمثل الحالات التي جرى تحديدها وتوثيقها وليس المعدل الحقيقي لانتشار جرائم القتل المتسلسل. وقد تكون هناك حالات لم يتم اكتشافها أو توثيقها في دول يصعب الوصول إلى سجلاتها، وهو ما يجعل المقارنة المباشرة بين الدول أمرا يحتاج إلى قدر من الحذر.
وتنطبق تحديات القياس نفسها على العديد من المقارنات المتعلقة بمعدلات الجريمة حول العالم، إذ تعتمد النتائج بدرجة كبيرة على الجرائم التي يتم اكتشافها وتسجيلها رسميا.
لماذا تراجعت جرائم القتل المتسلسل؟
رغم تصدر الولايات المتحدة أعداد الحالات الموثقة تاريخيا، تشير البيانات إلى أن نشاط القتلة المتسلسلين فيها تراجع بشكل كبير خلال العقود الأخيرة. وبحسب أبحاث استشهدت بها جامعة "نورث إيسترن"، كان هناك نحو 300 قاتل متسلسل معروف نشطين خلال سبعينيات القرن الماضي مقابل أقل من 50 قاتلا خلال العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، بانخفاض يتجاوز 80%.
ويرتبط هذا التراجع بعدة عوامل، من بينها التطور الكبير في أساليب التحقيق الجنائي. فأدلة الحمض النووي، وكاميرات المراقبة، وتحسن تبادل المعلومات بين أجهزة الشرطة، جعلت من الصعب على المجرمين المتكررين البقاء مجهولين بعد ارتكاب جرائم متعددة.
قد يكون تغير السلوك الاجتماعي ساهم أيضا في هذا التراجع. فخلال العقود التي شهدت ذروة جرائم القتل المتسلسل، كانت بعض المواقف التي تجعل الأشخاص أكثر عرضة للعزلة مع الغرباء أكثر شيوعا، مثل التوقف لطلب توصيلة مجانية من السيارات المارة.
وتزامن انخفاض جرائم القتل المتسلسل مع تراجع أوسع في بعض أنماط جرائم العنف، رغم استمرار وجود تفاوت كبير في معدلات جرائم القتل بين مناطق العالم المختلفة. ولا توجد حتى الآن نظرية واحدة تفسر بشكل كامل أسباب الارتفاع الكبير في جرائم القتل المتسلسل خلال العقود الماضية ثم تراجعها لاحقا.
فقد بحثت الكاتبة كارولين فريزر احتمال ارتباط التعرض البيئي للرصاص بارتفاع مستويات السلوك العنيف في الماضي، بينما أشار عالم الجريمة جيمس آلان فوكس إلى عوامل أخرى، من بينها التغيرات الديموغرافية، وتحسن أساليب الشرطة، والتقدم في علوم الأدلة الجنائية.
وبذلك، لا يمكن تفسير تراجع جرائم القتل المتسلسل بعامل واحد، بل يبدو أنه نتاج مجموعة من التحولات الأمنية والتكنولوجية والاجتماعية التي جعلت تكرار الجرائم والبقاء دون اكتشاف أكثر صعوبة.



