لم يكتفِ الرماد البركاني المنبعث من بركان إندونيسيا بتغطية السيارات والطرق في المناطق المحيطة، بل امتد تأثيره إلى حركة الطيران، بعدما تسبب ثورانه الذي بدأ مساء الجمعة في تعطيل أكثر من 1500 رحلة جوية، وإغلاق 8 مطارات وتأثر نحو 170 ألف مسافر بالاضطرابات.
ومع استمرار التحذيرات من احتمال وقوع مزيد من الانفجارات، يعيد نشاط أناك كراكاتاو إلى الأذهان أعنف الثورات البركانية التي شهدها العالم، والتي خلفت آلاف الضحايا وتسببت في تسونامي وتغيرات مناخية واسعة.
فما هي أعنف الثورات البركانية في التاريخ؟
جبل سانت هيلينز
في 18 مايو 1980، ثار بركان جبل سانت هيلينز في الولايات المتحدة بقوة هائلة، بعد أشهر من النشاط الزلزالي وانتفاخ الجانب الشمالي للبركان، في مؤشرات على اقتراب ثوران كبير. وعندما وقع الانفجار، بلغت سرعة الموجة الانفجارية نحو 1080 كيلومترًا في الساعة، ودمرت كل شيء في منطقة مساحتها 600 كيلومتر مربع خلال دقائق.
وأودى الثوران بحياة 57 شخصًا، ليُسجل باعتباره أحد أكثر الثورات البركانية تدميرًا وفتكًا في تاريخ الولايات المتحدة.
إل تشيتشون
كان بركان إل تشيتشون في ولاية تشياباس المكسيكية يُعتقد أنه خامد، بعدما لم يسجل أي ثوران لأكثر من 600 عام، لكن عام 1982 أثبت عكس ذلك. وفي 28 مارس، بدأ البركان ثورانه، قبل أن يبدو وكأنه هدأ، ما دفع بعض السكان الذين تم إجلاؤهم إلى العودة إلى منازلهم.
لكن النشاط البركاني تجدد في 4 أبريل، مع تدفقات بركانية فتاتية مكونة من الغازات الساخنة والرماد والصخور، ما تسبب في مقتل نحو 1900 شخص، إلى جانب إطلاق كميات ضخمة من ثاني أكسيد الكبريت إلى الغلاف الجوي.
جبل هدسون
شهد بركان جبل هدسون في تشيلي عام 1991 أحد أقوى الثورات البركانية في القرن العشرين، إذ قذف شظايا صخرية إلى ارتفاع 18 كيلومترًا في السماء، قبل أن تسقط على جزر فوكلاند التي تبعد نحو 1000 كيلومتر. وساعد إجلاء السكان مع ظهور أولى علامات النشاط البركاني في تجنب سقوط ضحايا، لكن الرماد غطى الأراضي الزراعية وتسبب في نفوق آلاف الحيوانات.
كويزابو
في 10 أبريل 1932، ثار بركان كويزابو في تشيلي، وأطلق سحابة ضخمة من الرماد إلى الغلاف الجوي، إلى جانب كميات كبيرة من الحمم البركانية. وانتشر الرماد لمسافات بعيدة، ووصل إلى أجزاء من الأرجنتين مصحوبًا بحصى بركانية صغيرة تعرف باسم "لابيلي".
ولأن البركان يقع في منطقة نائية نسبيًا، لم يسجل الثوران وفيات بشرية، لكنه دمر النباتات في المناطق المحيطة، واستغرق تعافيها أكثر من 60 عامًا.
هونغا تونغا
في 15 يناير 2022، ثار بركان هونغا تونغا-هونغا ها'أباي تحت الماء في تونغا، ما أدى إلى تدمير الهياكل الخارجية للجزيرة. وكان البركان قد ظهر فوق سطح البحر بعد سلسلة من الانفجارات خلال عامي 2014 و2015، قبل أن تندمج الجزيرتان اللتان تشكلتا بفعل النشاط البركاني في كتلة أرضية واحدة.
لكن ثوران 2022 مزق الجزيرة، وأطلق عمودًا هائلًا من الرماد والمواد البركانية وصل إلى ارتفاع نحو 20 كيلومترًا، وتسبب في موجات تسونامي عبر المحيط الهادئ، وأسفر عن 6 وفيات.
بيناتوبو
في يونيو 1991، بدأ بركان جبل بيناتوبو في الفلبين سلسلة من الانفجارات المتصاعدة، أطلقت أعمدة ضخمة من الرماد، إلى جانب تدفقات بركانية فتاتية وانزلاقات طينية ساخنة غطت مئات الكيلومترات. وتسببت هذه التدفقات في تدمير بلدات وقرى، فيما زاد إعصار يونيا الذي ضرب الفلبين بالتزامن مع ذروة نشاط البركان من انتشار الرماد والمواد البركانية، وألحق أضرارًا واسعة بالأراضي الزراعية.
ورغم قوة الثوران، ساعدت الإنذارات المبكرة وعمليات الإجلاء في إنقاذ أعداد كبيرة من السكان، بينما بلغ عدد الوفيات المسجلة نحو 1202 شخص.
سانتا ماريا
بعد فترة طويلة من الخمول، ثار بركان سانتا ماريا في غواتيمالا عام 1902، بعد أن تجاهل كثير من السكان علامات التحذير، ومنها سلسلة من الزلازل القوية التي سبقت الثوران. واستمر النشاط البركاني 19 يومًا، وأطلق كميات هائلة من الرماد غطت مناطق على بعد 160 كيلومترًا من البركان، وحجبت ضوء الشمس لنحو 53 ساعة.
ووصل الرماد إلى مناطق بعيدة للغاية، حتى مدينة سان فرانسيسكو الأمريكية التي تبعد نحو 4000 كيلومتر، بينما تقدر حصيلة ضحايا الثوران بما بين 7000 و13 ألف شخص.
كراكاتوا
يُعد ثوران بركان كراكاتوا عام 1883 واحدًا من أشهر وأعنف الثورات البركانية في التاريخ، كما أنه يرتبط مباشرة بتاريخ أناك كراكاتاو الموجود حاليًا في المنطقة نفسها. وأطلقت سلسلة الانفجارات الهائلة تدفقات بركانية مدمرة عبر مضيق سوندا، بينما تسببت الانفجارات في موجات تسونامي أودت بحياة نحو 36,600 شخص.
وكان أحد الانفجارات شديد القوة لدرجة أن صوته سُجل باعتباره من أعلى الأصوات التي عرفها التاريخ، إذ سُمع على مسافة تزيد على 3000 كيلومتر، في مدينة بيرث الأسترالية.
نوفاروبتا
في عام 1912، شهدت ألاسكا بالولايات المتحدة ثوران بركان نوفاروبتا، الذي استمر 3 أيام وأطلق كميات ضخمة من المواد البركانية. وقد تجاوزت كمية المواد التي قذفها البركان خلال الثوران أكثر من 30 ضعف ما أطلقه جبل سانت هيلينز عام 1980، وشكلت التدفقات البركانية وادي "العشرة آلاف دخان".
ورغم الحجم الهائل للثوران، لم تُسجل وفيات بشرية، بينما تضررت الحياة البرية، خصوصًا أعداد الطيور. ويُعد نوفاروبتا أكبر ثوران بركاني في القرن العشرين، وفق تصنيف مؤشر الانفجار البركاني.
تامبورا
في المرتبة الأولى يأتي ثوران بركان تامبورا في إندونيسيا عام 1815، والذي يُعد أكبر ثوران بركاني مسجل في التاريخ. بدأ النشاط في 5 أبريل، قبل أن تتصاعد الانفجارات وتطلق كميات هائلة من الرماد والمواد البركانية، واستمرت الأحداث البركانية لأكثر من 4 أشهر.
وأدى الثوران إلى انخفاض ارتفاع البركان بنحو الثلث، بينما وصلت كميات ضخمة من الرماد والغازات إلى الغلاف الجوي، وحجبت جزءًا كبيرًا من أشعة الشمس. ولم تتوقف آثار الكارثة عند المناطق المحيطة بالبركان، إذ تسبب تأثيرها المناخي في اضطراب المحاصيل ونقص الغذاء على نطاق واسع، حتى أصبح عام 1816 يعرف باسم "عام بلا صيف". وتشير التقديرات إلى أن ثوران تامبورا تسبب في وفاة ما لا يقل عن 71 ألف شخص، ليظل واحدًا من أكثر الأحداث البركانية فتكًا وتأثيرًا في تاريخ البشرية.




