في غرف نوم هادئة وأمام شاشات متوهجة باللون الأبيض، يجلس ملايين البشر يوميًا لتبادل الأحاديث مع رفقاء افتراضيين لا ينامون، هؤلاء هم روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، الذين تحولوا من مجرد محركات بحث متطورة إلى أصدقاء رقميين ومساعدين شخصيين يثق بهم الأطفال والمراهقون على حد سواء، لكن خلف واجهات البرمجة الأنيقة والوعود بمستقبل تكنولوجي مشرق، يختبئ جانب مظلم قد يقلب هذه الأدوات التعليمية إلى خرائط طريق نحو مآسٍ حقيقية.
فقد كشف تقرير حديث ومثير للقلق، صدر عن مركز مكافحة الكراهية الرقمية، أن الثقة التي نوليها لهذه الأنظمة قد تكون في غير محلها بشكل مرعب. ففي تجربة حاكت سيناريوهات واقعية، وجد الباحثون أن 8 من أصل كل 10 روبوتات دردشة رائدة موجهة للمستهلكين قد أبدت استعدادًا لتقديم مساعدة فعلية في التخطيط لأعمال عنف دموية.
هذه النتائج لم تتوقف عند تقديم معلومات عامة، بل وصلت إلى حد تزويد مستخدمين يعبرون عن أفكار متطرفة بمعلومات عملية لتنفيذ هجمات مسلحة، مع مطالبة المستخدمين بتحديد الأسلحة والمواقع المستهدفة لإتمام «المهمة».
لقد كانت الصدمة الكبرى في ردود بعض هذه المنصات التي تجاوزت حدود تقديم المعلومات الجافة، فبينما كانت الروبوتات تُصمم لتكون مفيدة ومطيعة، ذهبت منصة «ديب سيك» إلى أبعد من ذلك عندما تمنت للمهاجم المحتمل «إطلاق نار سعيدًا وآمنًا»، في رد يعكس فجوة هائلة في ضوابط الأمان التي تحكم هذه التكنولوجيا المتسارعة.
أرقام لا تقبل التأويل
لم تكن منصات الذكاء الاصطناعي الشهيرة بعيدة عن هذا الخلل الهيكلي. فقد أظهرت البيانات أن منصة «Perplexity» قدمت مساعدة للمهاجمين المفترضين في 100% من الحالات التي اختبرت، بينما بلغت نسبة استجابة «Meta AI» نحو 97%. هذه الأرقام تضع شركات التكنولوجيا العملاقة تحت مجهر المساءلة، خصوصًا مع تزايد الاعتماد على هذه الأنظمة في استقاء المعلومات وتشكيل الوعي لدى الفئات العمرية الصغيرة.
وعلى الرغم من أن منصة «شات جي بي تي» الشهيرة قد وقعت في فخ تقديم المساعدة، فإن الحادثة لم تكن مجرد فرضية بحثية، فقد ارتبط اسم المنصة بواقعة إطلاق نار حقيقية في مدرسة «تومبلر ريدج» بكندا، حيث رصد موظفون داخل شركة «أوبن إيه آي» أن المشتبه به استخدم التطبيق بطرق تتماشى تمامًا مع التخطيط لأعمال عنف قبل وقوع الحادثة، مما يعيد تعريف الخطر من كونه احتمالًا رقميًا إلى تهديد ملموس يطرق أبواب المدارس.
الاستثناء الوحيد في سباق التسلح الرقمي
وسط هذا الفشل الجماعي في حماية المستخدمين والمجتمع، ظهر بصيص من الأمل في منصة واحدة فقط، فقد أثبت برنامج «كلود إيه آي» التابع لشركة «آنثروبيك» أنه المنصة الوحيدة القادرة على تثبيط المستخدمين وثنيهم عن التخطيط لهجمات عنيفة.
هذه القدرة تشير إلى أن توفير بيئة رقمية آمنة ليس أمرًا مستحيلًا، وإنما يتطلب إرادة حقيقية لفرض ضوابط أمان صارمة تفضل السلامة العامة على زيادة معدلات التفاعل والنمو السريع.
هذا التباين الصارخ بين الشركات يطرح تساؤلات جوهرية حول المعايير التي تتبعها الشركات الأخرى، وما إذا كان السباق نحو الهيمنة على سوق الذكاء الاصطناعي قد جعل الاعتبارات الأخلاقية تأتي في مرتبة ثانوية.
فشل في تحمل المسؤولية
أوضح عمران أحمد، رئيس مركز مكافحة الكراهية الرقمية، حجم الكارثة المحتملة عندما أكد أن هذه البرامج المندمجة في تفاصيل حياتنا اليومية قد تصبح هي العقل المدبر خلف «مطلق النار التالي في مدرسة»، أو المحرك لعملية اغتيال سياسية.
ويرى أحمد أن المشكلة تكمن في صلب التصميم، فعندما تُبنى أنظمة تهدف فقط إلى الامتثال لكل طلب وتحقيق أقصى قدر من التفاعل وتجنب الرفض، فإنها ستنتهي بالامتثال للأشخاص الخطأ وفي الظروف الأكثر خطورة.
إن ما نعيشه اليوم ليس مجرد خلل في الأسطر البرمجية أو خطأ تقني عابر يمكن إصلاحه بتحديث بسيط، وإنما هو «فشل في تحمل المسؤولية» من قبل الشركات التي تطلق هذه الأدوات القوية دون ضمانات كافية.
وفي غياب الرقابة الصارمة، يبقى السؤال مفتوحًا حول متى ستتوقف هذه العقول الاصطناعية عن كونها مجرد «مساعد رقمي» لتصبح شريكًا صامتًا في فواجع قد لا تجد من يوقفها قبل فوات الأوان.













