خلف مشاهد المباني السكنية المدمرة وأرقام الضحايا التي تجاوزت مئة ألف جندي، يتوارى خطر صامت تحت أقدام الأوكرانيين. تحولت حقول الحبوب الشاسعة إلى ساحات معارك تتشرب يوميًا مخلفات القذائف والدبابات المحترقة، ليصبح تراب سلة خبز أوروبا مشبعًا بسموم تهدد غذاء العالم لسنوات مقبلة.
مع بدء الاجتياح الروسي قبل أربع سنوات، أدرك خبراء الزراعة في جامعة التنمية الزراعية الملكية البريطانية الواقعة بالقرب من سيرنسيستر، حجم التهديد الذي يتربص بالأمن الغذائي، حيث يوضح الأستاذ مارك هورتون، نائب رئيس الجامعة، طبيعة عملهم، قائلًا «نحن ننظر إلى ملايين الحفر الناتجة عن القذائف وتأثيرات الصواريخ والطائرات المسيرة والقنابل الانزلاقية، وكل منها يترك بقايا مختلفة على الأراضي الزراعية». وسرعان ما أسس فريق هورتون شراكة مع جامعة سومي الوطنية الزراعية في شرق أوكرانيا، والتي تبعد ثلاثين كيلومترًا فقط عن الحدود الروسية، لتبدأ رحلة فحص التربة بينما لا تزال الحرب مستعرة.
«الأساس لاقتصادنا بأكمله»
تمثل هذه الأراضي الزراعية شريان حياة اقتصاديًا، فقد كانت أوكرانيا قبل الحرب المصدر الأول لبذور عباد الشمس عالميًا، وسابع أكبر مورد للحبوب، بعائدات تصدير بلغت نحو ثمانية وعشرين مليار دولار تقريبًا في عام 2021. ولذلك استهدفت الهجمات الموانئ وسفن الشحن لقطع هذه التجارة المربحة، مما أسفر عن تلوث أكثر من ثمانمئة كيلومتر مربع من التربة، وتخلف أكثر من مليون ومئة ألف حفرة في الحقول، وهو ما دفع نائب وزير الاقتصاد الأوكراني إيهور بيزكارافايني لوصف هذه التربة بأنها «الأساس لاقتصادنا بأكمله».
ولفهم حجم الكارثة بدقة، انضمت عالمة التربة الأوكرانية الدكتورة أولينا ميلنيك إلى الفريق البريطاني، حيث جمعوا معًا أكثر من ثمانية آلاف عينة من ساحات المعارك، وتحديدًا من الحفر ومحيط الدبابات المحترقة، في سابقة هي الأولى من نوعها لاختبار التربة تحت نيران الصراع. كشفت التحليلات عن مستويات عالية السمية، وأوضحت ميلنيك ذلك بقولها «وجدنا الكادميوم والكوبالت والنحاس والزنك والنيكل، وهي معادن ثقيلة تحمل تأثيرات مسرطنة ومسببة للتشوهات لدى البشر»، وغابت الإشارة في التقارير إلى التكلفة المالية المتوقعة لتنظيف مساحات بهذا الحجم الهائل.
عزل السم عن الطين
وسط هذه البيانات القاتمة، ظهرت نتائج مشجعة ومفاجئة للفريق العلمي بعد استخدام مجهر عنصري حديث أرسلته بريطانيا لتحليل العينات. يوضح الدكتور ديفيد أوكونور أن الحفر الضخمة التي خلفتها القنابل لم تكن المصدر الأكبر للتلوث، مؤكدًا «من المثير للاهتمام أننا لم نجد كميات ضخمة من المعادن الثقيلة في الحفر». وتركزت المستويات الأعلى من العناصر السامة مثل الرصاص والزنك في البقع التي احترقت فيها الدبابات أو تحطمت فيها المروحيات والطائرات المسيرة.
قادت هذه النتيجة الدكتورة ميلنيك إلى استنتاج عملي ينقذ الموسم الزراعي، مؤكدة «لا نحتاج إلى سحب المنطقة بأكملها من الاستخدام الزراعي، علينا فقط تحديد هذه البقع الساخنة وإبلاغ المزارعين بما يجب فعله».
ويعمل الفريق الآن على تعليم المزارعين طرق عزل هذه البقع السامة ومعالجتها، لتستمر الأرض في إنبات محاصيلها، وتختتم ميلنيك حديثها بأمل قائلة «يمكن لأرضنا أن تستمر في زراعة الغذاء لشعبنا، وإطعام بقية العالم أيضًا».












