لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة لتسريع إنتاج المحتوى الإعلامي، بل أصبح قادرًا على إنشاء نصوص وصور ومقاطع فيديو وأصوات تحاكي الواقع، ما يثير تساؤلات حول مصداقية المعلومات، وحدود استخدام هذه التقنيات، والجهة المسؤولة عن حماية الجمهور من التضليل.
وفي مواجهة هذه التحديات، تطرح وثيقة "مبادئ الذكاء الاصطناعي في الإعلام 2026"، المنشورة على موقع المنتدى السعودي للإعلام، إطارًا وطنيًا يحدد ثمانية مبادئ للاستخدام المسؤول لهذه التقنيات في القطاع الإعلامي، بهدف تحقيق التوازن بين الاستفادة من إمكاناتها والحفاظ على دقة المحتوى وموثوقيته.
وتشمل المبادئ: الشفافية والإفصاح، ودقة المعلومات ومصداقيتها، وحماية الخصوصية والشخصيات العامة، ومنع المحتوى المضلل، والمساءلة عبر دورة حياة المحتوى، والنزاهة والحياد، ووعي الجمهور وتمكينه، والتقييم المستمر للأثر والامتثال التنظيمي.
متى يحتاج المحتوى إلى إفصاح عن استخدام الذكاء الاصطناعي؟
لا تقتصر أهمية الإفصاح على المحتوى المنشأ بالكامل بواسطة الذكاء الاصطناعي، بل تشمل أيضًا المواد التي ساهمت هذه التقنيات في إنتاجها. وتدعو الوثيقة إلى توضيح استخدام الذكاء الاصطناعي من خلال علامات واضحة أو علامات مائية أو بيانات وصفية، تساعد الجمهور على التمييز بين المحتوى الاصطناعي والمواد الأصلية.
ويكتسب ذلك أهمية خاصة مع تطور أدوات إنشاء الصور والأصوات ومقاطع الفيديو، التي أصبحت قادرة على محاكاة أشخاص وأحداث بصورة يصعب تمييزها عن الواقع. ومن ثم، لا يتعلق الإفصاح بمجرد توضيح الأداة المستخدمة، بل بتمكين الجمهور من معرفة طبيعة المادة التي يشاهدها أو يقرأها، وتقييمها على أساس أكثر وعيًا.
ولا تقتصر الدعوة إلى الشفافية على المؤسسات الإعلامية، بل تمتد إلى صناع المحتوى الذين يستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي في أعمالهم، بما يعزز الثقة بين المنتج والجمهور.
لماذا لا يغني التوليد الآلي عن التحقق البشري؟
رغم قدرة أنظمة الذكاء الاصطناعي على إنتاج محتوى متماسك وسريع، فإن ذلك لا يجعل مخرجاتها مصدرًا موثوقًا بصورة تلقائية؛ فقد تتضمن معلومات غير دقيقة أو مضللة، أو تعكس تحيزات موجودة في البيانات والخوارزميات التي تعتمد عليها.
ولهذا، تحذر الوثيقة من التعامل مع المحتوى التوليدي باعتباره مصدرًا مرجعيًا نهائيًا للمعلومات، وتؤكد أهمية التحقق البشري من دقة المحتوى، إلى جانب القدرة على اكتشاف التزييف العميق والانتباه إلى التحيز الخوارزمي.
وبالنسبة للصحفيين وصناع المحتوى، يعني ذلك ضرورة مراجعة المعلومات التي تنتجها الأدوات الآلية قبل نشرها، وعدم الاكتفاء بسرعة الإنجاز أو جودة الصياغة والصورة. فالمسؤولية المهنية تظل مرتبطة بصحة المعلومة ومصداقية تقديمها، حتى عند الاستعانة بالتقنيات الحديثة.كما تشمل المبادئ حماية الخصوصية والشخصيات العامة، ومنع استخدام الذكاء الاصطناعي في إنتاج محتوى مضلل أو ينتهك الحقوق، بما يعزز سلامة البيئة الإعلامية ويحمي الجمهور من إساءة استخدام هذه الأدوات.
أين تقع مسؤولية الناشر والمنصة؟
لا تتوقف مسؤولية الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي عند مطور الأداة أو الشخص الذي استخدمها، بل تمتد إلى مختلف الأطراف المشاركة في دورة إنتاج المحتوى ونشره، بما يشمل المؤسسات الإعلامية والمنصات الرقمية وصناع المحتوى، كلٌّ بحسب دوره.
وتؤكد المبادئ أهمية المساءلة عن المحتوى في مختلف مراحله، إلى جانب منع المواد المضللة، وتعزيز النزاهة والحياد، وتقييم آثار استخدام التقنيات الحديثة والالتزام بالأطر التنظيمية ذات الصلة.
وهنا تبرز أهمية التمييز بين الوثيقة والالتزامات القانونية؛ فالوثيقة تقدم إطارًا توجيهيًا لممارسات الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي في الإعلام، ولا ينبغي التعامل معها باعتبارها تشريعًا مستقلًا أو بديلًا عن الأنظمة واللوائح المعمول بها. فالمبادئ المهنية التي تدعو إليها لا تلغي الالتزامات القانونية التي تقررها الأنظمة القائمة، ولا تعفي الجهات والأفراد من المسؤولية عند مخالفتها.
وفي المحصلة، لا تتوقف الثقة في الإعلام على قدرة المؤسسات وصناع المحتوى على استخدام أدوات أكثر تطورًا، بل على وضوح مصدر المعلومات، والتحقق من صحتها، والإفصاح عن طبيعة إنتاجها. فالذكاء الاصطناعي قد يسرّع صناعة المحتوى، لكن مصداقيته تظل مرتبطة بالمسؤولية البشرية والمهنية عن استخدامه ونشره.




