تذاكر ليلة كاملة ثم تنام، فتجد في الصباح أن بعض المعلومات أصبحت أسهل في التذكر. فالنوم يساعد الدماغ على تثبيت الذكريات وإعادة تنظيمها، بما يدعم احتفاظ الإنسان بما تعلمه.

ووفقًا لمراجعة علمية نشرها سوزان ديكلمن ويان بورن في مجلة Nature Reviews Neuroscience عام 2010، يعزز النوم تثبيت الذكريات المرتبطة بالحقائق والأحداث والمهارات، وقد يساعد على تكوين روابط جديدة بين المعلومات.

وفي الذكاء الاصطناعي، يواجه الباحثون مشكلة مختلفة: كيف يمكن للنموذج أن يتعلم معلومات جديدة من دون أن يفقد ما تعلمه سابقًا؟

في 27 أكتوبر 2026، عرض باحثون في غوغل إطارًا تدريبيًا يحمل اسم «النوم» (Sleep)، يخصص فترات لتثبيت المعرفة التي يجمعها النموذج، ثم يدربه على أمثلة يولدها بنفسه. ويشرح علي بهروز وفهاب ميروكيني، في مقال منشور على موقع Google Research، كيف صُممت الطريقة لمساعدة النماذج اللغوية على التعلم المستمر والاحتفاظ بالمعلومات الجديدة.

لماذا ينسى الذكاء الاصطناعي؟

تتعلم النماذج اللغوية الكبيرة من خلال التدريب على كميات ضخمة من البيانات، وتستخدم ما اكتسبته للإجابة عن الأسئلة وتنفيذ المهام. ويمكنها أيضًا التعامل مع معلومات جديدة يقدمها المستخدم خلال المحادثة، لكن وجود معلومة في سياق المحادثة لا يعني أنها أصبحت جزءًا دائمًا من النموذج.

فنافذة السياق تتيح للنموذج الاستفادة من المعلومات المتاحة خلال التفاعل، بينما يتطلب إدخال المعرفة إلى بنيته الداخلية تحديثًا لآليات التعلم أو الذاكرة. وعند تدريب النموذج على مهام جديدة، قد تتراجع قدرته على أداء مهام سبق أن تعلمها، وهي مشكلة تُعرف باسم «النسيان الكارثي» (Catastrophic Forgetting).

وتظهر المشكلة نفسها في تطوير نماذج لغوية يُراد لها أن تتكيف مع معلومات متجددة بدلًا من الاعتماد على المعرفة التي اكتسبتها خلال التدريب الأولي. فإضافة بيانات جديدة لا تضمن وحدها أن يحتفظ النموذج بقدراته السابقة، وهو التحدي الذي يستهدفه إطار النوم المقترح.

يقسم النظام عمل النموذج إلى مرحلتين أساسيتين: النشاط والنوم. خلال مرحلة النشاط، يتلقى النموذج المدخلات ويتفاعل معها، ويحتفظ بمعلومات مؤقتة في مكونات ذاكرته قصيرة الأجل. وعند الانتقال إلى مرحلة النوم، يتوقف عن استقبال مدخلات جديدة، ويوجه عملياته إلى تثبيت المعرفة ونقل أجزاء منها إلى بنيته الداخلية طويلة الأجل.

أما المرحلة الثانية، التي يسميها الباحثون «الحلم» (Dreaming)، فتقوم على توليد النموذج أمثلة تدريبية اصطناعية، ثم تقييمها واختيار ما يمكن أن يساعد على تحسين أدائه. ويستخدم هذه الأمثلة في جولات تدريب إضافية، بدلًا من الاعتماد على بيانات جديدة يقدمها الإنسان في كل مرة.

وتفصل ورقة بحثية نشرها علي بهروز وفرنوش هاشمي وفهاب ميروكيني على منصة arXiv في يونيو 2026 آليات تثبيت الذاكرة وتوليد الأمثلة التدريبية. وتعرض الورقة إطارًا يجمع بين نقل المعرفة من الذاكرة قصيرة الأجل إلى بنية أكثر استقرارًا، وتدريب النموذج على بيانات اصطناعية لتحسين قدراته.

الاختبارات

اختبر الباحثون الطريقة في مهام تشمل التعلم المستمر، وإضافة حقائق جديدة، وفهم السياقات الطويلة، والاستدلال الرياضي. ووفقًا للنتائج التي أعلنها الفريق، حقق الإطار أداءً أفضل من بعض الأساليب المقارنة في مجموعة من الاختبارات، مع الحد من تراجع الأداء عند الانتقال بين مهام متتابعة.

وذكر الباحثون أن الطريقة استطاعت التعامل مع سياقات تصل إلى عشرة ملايين رمز. والرمز وحدة نصية قد تمثل كلمة أو جزءًا منها أو علامة ترقيم؛ لذلك لا تعادل عشرة ملايين رمز عشرة ملايين كلمة بالضرورة.

ما علاقة الطريقة بنوم الإنسان؟

توضح مراجعة ديكلمن وبورن المنشورة في Nature Reviews Neuroscience عام 2010 أن النوم يدعم تثبيت الذكريات التصريحية، المتعلقة بالحقائق والأحداث، والذكريات الإجرائية المرتبطة بالمهارات. وقد تؤدي معالجة المعلومات أثناء النوم إلى تغييرات في طريقة تمثيلها، بما يساعد على تكوين روابط جديدة واستخلاص سمات مشتركة بين الخبرات.

لكن «النوم» في النموذج الاصطناعي ليس حالة بيولوجية؛ فلا يمر الذكاء الاصطناعي بمراحل النوم البشري، ولا يستخدم الآليات العصبية نفسها. ويشير المصطلح هنا إلى فترة تدريب منفصلة يتوقف خلالها النموذج عن تلقي مدخلات جديدة، ويركز على تثبيت المعلومات وتدريب نفسه باستخدام أمثلة مولدة اصطناعيًا.