مع تزايد التحديات التي تواجه إنتاج الغذاء وتأمينه، يفتح اليوم العالمي للغذاء الذي يحل في 16 أكتوبر من كل عام، المجال للتوقف أمام الحلول التقنية الواعدة، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي. فمن تحسين متابعة المحاصيل والتنبؤ باحتياجاتها، إلى تطوير البذور وإدارة المزارع السمكية والعمودية وسلاسل الإمداد، تتسع تطبيقاته لتشمل مختلف مراحل المنظومة الغذائية.

وبحسب تقرير مجموعة بوسطن الاستشارية (BCG) المنشور في يونيو 2026، يتزايد دور ما يُعرف بـ"الذكاء الزراعي"، الذي يستخدم أنظمة الذكاء الاصطناعي لتحليل البيانات واتخاذ القرارات وتنفيذ الإجراءات بأقل تدخل بشري، بما يتجاوز تطبيقات الزراعة الدقيقة التقليدية. ويأتي ذلك في وقت يواجه فيه النظام الغذائي العالمي ضغوطًا بسبب تقلبات المناخ والاضطرابات الجيوسياسية والتغيرات التنظيمية.  

الذكاء الاصطناعي لمواجهة تغيّرات المناخ

تجعل تقلبات الأمطار ودرجات الحرارة والمواسم قرارات الزراعة أكثر تعقيدًا، ما يزيد الحاجة إلى مراقبة المحاصيل والاستجابة السريعة للتغيرات. ويحلل الذكاء الاصطناعي البيانات الواردة من الأقمار الصناعية والطائرات المسيّرة وأجهزة الاستشعار والآلات الزراعية، لتحديد احتياجات الحقول ومتابعة نمو النباتات، وتقديم توصيات تساعد على تقليل الهدر في المياه والأسمدة ومواد مكافحة الآفات.

ومن الأمثلة على ذلك تقنية "See & Spray" التابعة لشركة جون دير، التي تستخدم الرؤية الحاسوبية للتمييز بين المحاصيل والأعشاب الضارة. وقد خفضت استخدام المواد الكيميائية بنحو النصف في المتوسط، وامتد استخدامها إلى 5 ملايين فدان في أمريكا الشمالية خلال عام 2025، مقارنة بمليون فدان في 2024، بحسب BCG.

ويمكن أن تمتد هذه التطبيقات إلى أنظمة الري الذكي، التي تجمع بيانات أجهزة الاستشعار عن رطوبة التربة واحتياجات النباتات، ثم تستخدم نماذج الذكاء الاصطناعي لتحديد توقيت الري وكمياته. وخلصت مراجعة علمية منشورة في دورية "Smart Agricultural Technology" عام 2025 إلى أن دمج الذكاء الاصطناعي بإنترنت الأشياء وأجهزة الاستشعار يدعم ترشيد المياه وتحسين كفاءة الري والتسميد.

تطوير البذور والزراعة العمودية الذكية

يمتد تأثير الذكاء الاصطناعي إلى المختبرات، حيث تساعد النماذج المتقدمة في تحليل البيانات الجينية والأبحاث العلمية لتصميم صفات نباتية وجزيئات ومركبات بيولوجية جديدة. ومن الأمثلة مبيد الأعشاب "إيكافولين" من شركة باير، الذي قُدم طلب تسجيله في أسواق رئيسية عام 2025، وطُوّر باستخدام منهجية "CropKey" التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي وعلم البيانات لتصميم جزيئات تستهدف أهدافًا محددة.

وفي الزراعة العمودية، تُزرع النباتات في طبقات متراكبة داخل بيئات يمكن التحكم في ظروفها، باستخدام تقنيات مثل الزراعة المائية والهوائية. وتتيح أنظمة الذكاء الاصطناعي، بالتكامل مع أجهزة الاستشعار وإنترنت الأشياء، متابعة الإضاءة ودرجة الحرارة والرطوبة والمغذيات، وتعديلها وفق احتياجات النباتات.

وتشير مراجعة علمية منشورة في دورية "Heliyon" عام 2024 إلى أن الزراعة العمودية يمكن أن تستخدم مياهًا أقل من الزراعة التقليدية المعتمدة على التربة، فيما تساعد التقنيات الذكية على تحسين المراقبة والتحكم في ظروف النمو. لكن كفاءة هذه الأنظمة تعتمد أيضًا على استهلاك الطاقة وتكاليف التشغيل، ولا تعني الأتمتة وحدها ضمان الاستدامة.

تطوير الذكاء الاصطناعي للاستزراع السمكي وسلاسل الإمداد

لا يقتصر توظيف الذكاء الاصطناعي على المحاصيل، بل يمتد إلى الاستزراع السمكي؛ إذ يمكن استخدام الكاميرات وأجهزة الاستشعار والخوارزميات لمراقبة جودة المياه ومستويات الأكسجين، وضبط مواعيد وكميات التغذية، ورصد مؤشرات الأمراض مبكرًا. وتوضح مراجعات علمية منشورة عام 2024 أن هذه التطبيقات قد تحسن صحة الأسماك وكفاءة الإنتاج، مع استمرار تحديات تتعلق بتكلفة التجهيزات وجودة البيانات ودقة النماذج.

أما في تجارة الغذاء، فتساعد التحليلات المدعومة بالذكاء الاصطناعي الشركات على متابعة الأسواق وتدفقات السلع ورصد اضطرابات الإمدادات مبكرًا، إلى جانب تحسين التنبؤ بالطلب وتتبع المنتجات والتحقق من سلامتها ومصدرها.

وفي مجال الإرشاد الزراعي، وصل تطبيق "FarmerChat" إلى أكثر من 830 ألف مزارع في أفريقيا والهند والبرازيل، وأجاب عن أكثر من 5 ملايين استفسار. وانخفضت تكلفة تقديم الإرشاد في المثال الذي أورده تقرير BCG من 35 دولارًا للتفاعل الواحد إلى 35 سنتًا فقط.

من المستفيد من التحول الزراعي الجديد؟

يقوم الذكاء الزراعي على أربعة أبعاد مترابطة: الاستشعار لجمع البيانات، واتخاذ القرار لتحويلها إلى توصيات، والتنفيذ لترجمة القرارات إلى إجراءات، والإبداع لتطوير بذور ومركبات وحلول جديدة. وتعتمد الاستفادة من هذه القدرات على قدرة المزارعين وشركات المدخلات الزراعية ومصنعي المعدات والتجار وشركات الأغذية على دمجها في عملياتهم. لكن التحول يطرح تحديات تتعلق بتكامل البيانات والثقة في استخدامها وتكاليف التطبيق، فضلًا عن إعادة ترتيب المنافسة داخل القطاع.

وبذلك، يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل منظومة الغذاء من بدايتها إلى نهايتها؛ من مراقبة المحاصيل وتطوير البذور، إلى ترشيد المياه وإدارة المزارع العمودية والسمكية، وصولًا إلى نقل المنتجات وتوزيعها. ولا يقتصر أثره على رفع كفاءة الإنتاج، بل يمتد إلى تغيير الأدوار التقليدية وخلق منافسة جديدة على امتلاك البيانات والقدرة على استخدامها.