تتحول المغناطيسات القوية إلى مادة استراتيجية مع اعتماد السيارات الكهربائية والطاقة المتجددة والروبوتات والصناعات العسكرية عليها، في وقت تهيمن فيه الصين على إنتاجها، وفي محاولة لتقليص هذا الاعتماد، تبني الولايات المتحدة مصنعًا جديدًا في ساوث كارولاينا باستثمار يقارب 1.2 مليار دولار، على أن يبدأ تشغيله تدريجيًا في 2028.
وفي 9 سبتمبر الحالي، وضعت شركة " USA Rare Earth" حجر الأساس للمنشأة في مدينة بلاكسبيرج بمقاطعة شيروكي، على مساحة تبلغ نحو 800 ألف قدم مربعة، أي قرابة 74 ألف متر مربع. وعند بلوغ المصنع طاقته المستهدفة، سيكون قادرًا على إنتاج نحو 6400 طن متري سنويًا من مغناطيسات النيوديميوم والحديد والبورون الدائمة، المعروفة اختصارًا بـ"NdFeB".
وراء المغناطيس.. سباق على مادة استراتيجية
ولا تنفصل أهمية المصنع عن طبيعة المنتج الذي سيخرج منه، إذ تعد مغناطيسات "NdFeB" أقوى أنواع المغناطيسات الدائمة المتاحة قياسًا إلى حجمها ووزنها، وهو ما يجعلها تدخل في المحركات والمولدات والمشغلات وأجهزة الاستشعار.
ومع توسع السيارات الكهربائية والطاقة المتجددة والروبوتات، ارتفع الطلب عليها بسرعة، بينما تمتد استخداماتها أيضًا إلى تطبيقات دفاعية وهندسية متقدمة، بينها مشغلات الصواريخ ومكونات الطيران. غير أن الوصول إلى المغناطيس النهائي يمر بسلسلة تبدأ من استخراج الخام، ثم معالجته وفصل العناصر الأرضية النادرة، قبل تحويلها إلى معادن وسبائك ومساحيق تدخل مراحل التصنيع.
ومن هنا يأتي سعي " USA Rare Earth" إلى بناء سلسلة متكاملة تمتد من المنجم إلى المغناطيس، وتشمل خامات من منجم بيلا إيما في البرازيل، رواسب راوند توب الغنية بالعناصر الأرضية النادرة في تكساس، إلى جانب عمليات المعالجة والتصنيع في مواقع مختلفة. وعندما تتضح امتدادات هذه السلسلة، يصبح السؤال عن المصنع الأمريكي مرتبطًا مباشرة بمصدر المواد التي يعتمد عليها، وحجم السيطرة الصينية على المراحل التي تسبقه.
لماذا تخشى واشنطن الصين؟
تكمن حساسية هذه السلسلة في حجم السيطرة الصينية عليها، إذ كانت الصين مسؤولة عن 94% من إنتاج المغناطيسات الدائمة المصنعة بطريقة التلبيد عالميًا في 2024، وفق الوكالة الدولية للطاقة. وتزداد الصورة وضوحًا عند النظر إلى المراحل السابقة من الإنتاج، حيث استحوذت الصين في العام نفسه على نحو 60% من إنتاج العناصر الأرضية النادرة المستخدمة في المغناطيسات، و91% من الإنتاج العالمي المكرر منها.
ويعني هذا التركز أن أي اضطراب في الإمدادات قد يتجاوز سوق التعدين وحده، لتمتد تداعياته إلى مصانع السيارات والطاقة والدفاع والإلكترونيات والقطاعات الصناعية المتقدمة. وزادت حساسية الوضع بعد قيود التصدير التي فرضتها الصين في 2025 على 7 عناصر أرضية نادرة ثقيلة ومركبات ومغناطيسات مرتبطة بها، والتي أدت إلى تراجع حاد في بعض الشحنات خلال أبريل ومايو.
وهنا تتضح حدود الرهان على منشأة واحدة، لأن بناء المصنع يعالج مرحلة من سلسلة أطول تمتد من استخراج الخام إلى معالجته وفصله وتكريره ثم تحويله إلى المواد التي تدخل في صناعة المغناطيسات.
مصنع واحد لا يكفي
لهذا السبب، لا تنظر واشنطن إلى منشأة ساوث كارولاينا باعتبارها حلًا مكتملًا للمشكلة، إذ يأتي المشروع ضمن محاولة أوسع لإعادة بناء سلسلة الإمداد داخل الولايات المتحدة، بدءًا من المواد الخام وصولًا إلى المنتج النهائي.
وفي يونيو 2026، أعلنت وزارة التجارة الأمريكية اتفاقًا يصل إلى 1.6 مليار دولار لدعم استراتيجية USA Rare Earth الممتدة من التعدين إلى تصنيع المغناطيسات. ويشمل الاتفاق حوافز فدرالية وقرضًا لدعم مشروعات التعدين والمعالجة والتصنيع.
ويشكل مصنع بلاكسبيرج حلقة رئيسية في هذه المنظومة، إذ تستهدف الشركة إنتاج 5000 طن سنويًا من المعادن والسبائك، إلى جانب 6400 طن من المغناطيسات في المنشأة الجديدة. وتقول الشركة إن هذا التوسع سيقرب الولايات المتحدة من إنتاج المواد والمغناطيسات التي تعتمد عليها صناعاتها خارج نطاق السيطرة الصينية.
مع ذلك، تظل الطريق إلى الاعتماد الذاتي طويلة، لأن مصنعًا واحدًا لا يحل وحده تحديات التعدين والفصل والتكرير وتأمين الخام وتوسيع بقية مراحل السلسلة. ومن هذه النقطة، ينتقل السؤال من جدوى المنشأة نفسها إلى ما إذا كانت قادرة على أن تكون جزءًا فعليًا من سلسلة إنتاج متكاملة.
ماذا بعد بناء المصنع؟
من خلال هذا الاستثمار، تختار الولايات المتحدة معالجة إحدى أكثر حلقات سلسلة الإمداد حساسية، وهي سلسلة تمتد عبر دول ومراحل إنتاج متعددة، إلا أن الرهان يتجاوز إنتاج 6400 طن من المغناطيسات سنويًا.
وترى الرئيسة التنفيذية لـUSA Rare Earth، باربرا همبتون، أن وضع حجر الأساس ينقل الرؤية من الخطط إلى البنية التحتية الفعلية، مضيفة "نحن نبني القدرات التي تحتاجها أمريكا لإنتاج المواد الأرضية النادرة والمغناطيسات المهمة محليًا".
وتتصل هذه الرؤية بما يصفه غريغوري بومان، كبير مسؤولي السياسات العالمية في الشركة، بالحاجة إلى إعادة بناء السلسلة كاملة، إذ يقول "سلسلة إمداد آمنة للعناصر الأرضية النادرة لا تُبنى بمنجم واحد أو مصنع واحد. إنها تتطلب إعادة بناء كل حلقة".
وتضع هذه الرؤية منشأة ساوث كارولاينا داخل محاولة أوسع لتقليص اعتماد الصناعات الأمريكية على سلسلة توريد تتركز في دولة واحدة، وهو ما يجعل اكتمال بقية الحلقات جزءًا أساسيًا من نتائج المشروع.
ويبقى الاختبار الحقيقي بعد 2028، حين تدخل المنشأة مرحلة التشغيل المستهدف. عندها سيتضح ما إذا كان هذا الاستثمار قادرًا على دفع الولايات المتحدة نحو سلسلة إنتاج متكاملة في سوق ترسخت فيه الهيمنة الصينية لعقود.




