تشهد الساحة العسكرية العالمية تحولات متسارعة تفرض واقعًا جديدًا على الاستثمارات في قطاع الدفاع.
وأكد الخبير الاستراتيجي في مؤسسة "بانمور ليبيروم"، يواكيم كليمنت، على أن الطبيعة سريعة التطور للحروب والمتطلبات العسكرية الحديثة ينبغي أن تدفع المستثمرين اليوم إلى إعادة التفكير بجدية في تقييمات الشركات داخل هذا القطاع الحيوي.
وعلى الرغم من أن الاضطرابات السياسية العالمية تواصل دفع قطاع الدفاع نحو النمو، إلا أن هناك معايير جديدة بدأت تفرض نفسها في السوق لتميز الشركات الرابحة عن غيرها.
وتتمثل هذه العوامل في مخاطر المشتريات والضغوط المالية المتصاعدة والتوجه المتزايد نحو صفقات الذكاء الاصطناعي.
انتقائية المستثمرين
نتيجة لهذه التغيرات، بات المستثمرون أكثر انتقائية في خياراتهم؛ إذ لم يعد تقييمهم مبنيًا فقط على حجم الأموال الضخمة التي تعد الحكومات بإنفاقها، بل أصبحوا يدققون بعمق في مسارات تدفق هذه الأموال وما إذا كانت ستذهب إلى المنصات التقليدية الموروثة أم ستوجه نحو الأنظمة المدعومة بالذكاء الاصطناعي والطائرات بدون طيار وتقنيات الحرب الإلكترونية.
ويرى الخبراء أن الجيل القادم من الشركات الرابحة في قطاع الدفاع قد يصبح شبيهًا بشركات البرمجيات والذكاء الاصطناعي بدلاً من اعتماده على نموذج مصنعي الأسلحة التقليديين.
ونظرًا لأن الحرب الإلكترونية تُعد في جوهرها ظاهرة تقنية، فإن هذه الشركات تستحق أن يتم تداول أسهمها وتقييمها في الأسواق مثل شركات التكنولوجيا تمامًا، مما يعني أن بعض الأسهم في هذا القطاع قد تستحق تقييمًا أعلى بكثير مقارنة بشركات الحروب التقليدية.
ضغوط إعادة التسلح
وعلى الرغم من أن أسهم الدفاع الأوروبية كانت واحدة من أبرز الرابحين من حملة إعادة التسلح التي تشهدها القارة، إلا أن بعض أكبر الشركات الرابحة في هذا القطاع تعرضت لضغوط ملموسة مؤخرًا.
يشير هذا التراجع إلى الدخول في مرحلة جديدة لتجارة الدفاع الأوروبية، حيث لم يعد المستثمرون يتعاملون مع إعادة التسلح كإشارة شراء مطلقة وشاملة لجميع الشركات دون تمييز.
ويعتبر إلغاء ألمانيا لبرنامج السفن الحربية "F126" دليلاً واضحًا على أنه حتى في عالم يشهد ميزانيات دفاعية متصاعدة، فإن البرامج التقليدية الضخمة والمكلفة تظل عرضة للإلغاء أو التجميد إذا كانت بطيئة في التنفيذ أو باهظة الثمن أو غير متوافقة مع الاحتياجات العسكرية المتغيرة.
وتكمن المشكلة الأساسية في أن المجمع الصناعي العسكري في أوروبا لا يزال مهيمنًا عليه من قِبل مصنعي الأسلحة التقليدية مثل الدبابات والمدفعية، حيث يميل الجنرالات غالبًا إلى خوض معارك الحرب السابقة بدلاً من الاستعداد للحرب القادمة.
وتتضح الفجوة هنا في تخلف شركة "راينميتال" وعدم تركيز الحكومة الألمانية على أنظمة الأسلحة المعززة بالذكاء الاصطناعي والمسيرات، في المقابل الذي تقود فيه شركات أخرى مثل "ليوناردو" الإيطالية و"بي إيه إي سيستمز" البريطانية الطريق عبر بناء أنظمة قتالية متطورة تعتمد كليًا على تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي والدرونز.
تدفقات رؤوس الأموال
من جهة أخرى، يرى "هوج لافاندير"، الشريك الأول في مؤسسة "ماكينزي"، أن الإنفاق الدفاعي الأوروبي الحالي يتوزع عبر النطاق الكامل للمتطلبات العسكرية؛ فهو يشمل المعدات البرية التقليدية كدبابات القتال الرئيسية والذخيرة، بالإضافة إلى المنصات البحرية مثل حاملات الطائرات والفرقاطات.
ولكن بالتوازي مع ذلك، هناك ضخ لاستثمارات أعلى في المجالات الأحدث، مدفوعًا باعتراف متزايد بأهمية قدرات الضربات العميقة والأنظمة المضادة للطائرات المسيرة والأنظمة غير المأهولة بشكل عام.
أما فيما يتعلق بالضعف الأخير الذي شهدته أسهم الدفاع بعد تحققيها مكاسب هائلة على مدى السنوات الـ5 الماضية، فيعتقد كليمنت أن هذا التراجع لا يعود إلى تدهور في العوامل الأساسية لقطاع الدفاع، بل هو ناتج عن حركة تدفقات رؤوس الأموال.
حيث يعاني العديد من مديري الصناديق الاستثمارية من شح في السيولة النقدية، ما دفعهم إلى تسييل بعض الأصول والمداورة نحو صفقات الذكاء الاصطناعي، خاصة مع قيام شركات تكنولوجية كبرى مثل "ألفابت" و"سبيس إكس" بجمع مبالغ مالية ضخمة مؤخرًا.
وبالنظر إلى المؤشرات الجوهرية للقطاع، فإن حملة إعادة التسلح الأوروبية لا تزال مستمرة بلا هوادة، وتظهر بوضوح في إصرار دول مثل ألمانيا وبولندا على إنفاق المزيد والمزيد من الأموال لتطوير قدراتها الدفاعية؛ مما يؤكد أن مستقبل القطاع يكمن في القدرة على التكيف التقني السريع والتحول نحو الأنظمة الذكية.













