بينما كانت الثلوج تغطي أروقة المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا، كان الصحفي «أرجون خاربال» يقضي أسبوعًا كاملًا، من 20 إلى 24 يناير، يتنقل بين الرؤساء التنفيذيين لأكبر شركات التكنولوجيا في العالم، باحثًا عن إجابة لسؤال محوري: ما الأولويات التي سترسم ملامح معنويات المستثمرين في العام الجديد؟
ورغم أن الذكاء الاصطناعي هيمن على المشهد للعام الثاني على التوالي، فإن النغمة السائدة في دافوس هذا العام اختلفت جذريًا، إذ لم يعد الحديث يدور حول «أي روبوت دردشة هو الأفضل»، بل تحول النقاش نحو كيفية تبني المؤسسات لهذه التكنولوجيا، وما التطورات المستقبلية التي تلوح في الأفق، وكيف سينعكس ذلك كله على الإيرادات وأسعار الأسهم.
من الانبهار إلى الواقعية
في تحول لافت عن أجواء العام الماضي، أظهرت المحادثات أن عام 2025 يمثل نقطة تحول في تبني الشركات للذكاء الاصطناعي. ففي حين شهد العام السابق مشاريع تجريبية عديدة لروبوتات الدردشة من شركات مثل «مايكروسوفت» و«OpenAI» لم تصل إلى مرحلة الإنتاج الكامل، مدفوعة بـ«الخوف من الفوات» أو ما يعرف بـ (FOMO)، باتت الشركات اليوم أكثر انتقائية.
ينقل الصحفي عن «داوسون تونج»، الرئيس التنفيذي لمجموعة السحابة في «تنسنت»، قوله لشبكة CNBC: «هذا العام، عندما نتحدث إلى العملاء، أعتقد أنهم أصبحوا أكثر واقعية بكثير. أعتقد أنهم تجاوزوا مرحلة الخوف من الفوات (FOMO). واليوم، أعتقد أن العديد من عملائنا أصبحوا أكثر تحديدًا».
هذا التحول نحو الواقعية يتطلب أكثر من مجرد شراء أداة تقنية، إذ يرى «راج شارما»، الشريك الإداري العالمي للنمو والابتكار في «EY»، أن الشركات ستحتاج إلى «إعادة تصور عمليات كاملة» يمكن إنجازها بالذكاء الاصطناعي، مؤكدًا في مقابلة أن «هذا هو الوقت الذي ستبدأ فيه برؤية القيمة».
صعود «الذكاء الاصطناعي الوكيل»
وبالموازاة مع هذا التوجه العملي، برز مصطلح «الذكاء الاصطناعي الوكيل» (Agentic AI) كأحد أكثر الكلمات رواجًا لعام 2025، ومن المتوقع أن يبقى في صدارة المشهد.
ويشير هذا المفهوم إلى أنظمة ذكاء اصطناعي قادرة على تنفيذ المهام نيابة عن البشر، بهدف نهائي يتمثل في الوصول إلى وكلاء متطورين يعملون بشكل مستقل مع الحد الأدنى من التفاعل البشري.
تتباين الآراء حول مدى نضج هذه التقنية، فبينما يرى البعض أنها تنفذ عمليات بسيطة، يؤكد آخرون قدرتها على إنجاز سير عمل أكثر تعقيدًا. وفي هذا السياق، يقف «أوليان شاركا»، الرئيس التنفيذي لشركة «Domyn» الناشئة، موقفًا متحفظًا، قائلًا: «أعتقد أن هؤلاء الوكلاء ليسوا مستقلين. لا أعتقد أننا وصلنا إلى النقطة التي يمكننا فيها استبدال موظف بشري».
على النقيض تمامًا، يبدو «فابريسيو بلويزي»، الرئيس التنفيذي لشركة «Prosus»، أكثر تفاؤلًا بهذه التكنولوجيا، حيث كشف في مقابلة مشتركة مع «CNBC» وتلفزيون «بلومبرغ» أن شركته لديها حاليًا 30,000 وكيل قيد التشغيل. وذهب «بلويزي» إلى أبعد من ذلك بتوقعه أنه في السنوات الخمس المقبلة قد تكون هناك شركات تدار بالكامل بواسطة الوكلاء، مصرحًا: «لا أعتقد أن الأمر مجرد ضجيج وأمل».
الروبوت على مائدة العشاء
لم يقتصر الحديث في دافوس على البرمجيات غير المرئية، بل امتد ليشمل «الذكاء الاصطناعي الفيزيائي» (Physical AI)، وهو المصطلح الذي يشير إلى التطبيقات التي يتخذ فيها الذكاء الاصطناعي شكلًا ماديًا، بدءًا من الروبوتات ووصولًا إلى السيارات ذاتية القيادة. وقد عاش الصحفي هذه التجربة واقعيًا حين وجد روبوتًا يجلس مباشرة على طاولة العشاء في إحدى الأمسيات.
وصف «راج شارما» من «EY» هذا النوع من الذكاء بأنه «الموجة التالية»، مقدرًا أن حجم سوقه قد يبلغ خمسة إلى ستة أضعاف حجم سوق «الذكاء الاصطناعي الوكيل» في غضون خمس إلى ست سنوات. وتتوافق هذه الرؤية مع ما ذكره «ساسين غازي»، الرئيس التنفيذي لشركة أدوات تصميم أشباه الموصلات «Synopsys»، الذي أقر بأنه كان يتوقع وصول الذكاء الاصطناعي الفيزيائي بعد "خمس سنوات أو أكثر"، لكنه بات قادمًا «بشكل أسرع بكثير».
ومن جانبه، رأى «جنسن هوانج»، الرئيس التنفيذي لشركة «إنفيدبا»، أن روبوتات الذكاء الاصطناعي تمثل فرصة «مرة واحدة في الجيل» لأوروبا، نظرًا لامتلاك المنطقة قاعدة تصنيع صناعية «قوية بشكل لا يصدق».
الهاجس الجيوسياسي
في خضم هذه التطورات التقنية المتسارعة، لم تغب السياسة عن أذهان القادة. فقد كان تأثير التقلبات الجيوسياسية حاضرًا بقوة في المحادثات. وحذر «راج شارما» من أن هناك أمرًا لا يتم الحديث عنه كثيرًا في عالم الذكاء الاصطناعي، رغم أنه سيصبح «قضية كبيرة، أو رادعًا كبيرًا، أو مسرعًا كبيرًا»، وهو أماكن تواجد القضايا الجيوسياسية.
وكانت التطورات التكنولوجية الصينية في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي والرقائق من بين أبرز نقاط النقاش. وفي مقابلة لبودكاست «CNBC» الجديد "The Tech Downland"، قدّم «ديميس هاسابيس»، الرئيس التنفيذي لشركة «Google DeepMind»، تقييمًا للموقف التنافسي، مشيرًا إلى اعتقاده بأن نماذج الذكاء الاصطناعي الصينية متأخرة بضعة أشهر فقط عن النماذج الأمريكية والغربية.
تتشابك هذه الخطوط الأربعة: الواقعية في التبني، صعود الوكلاء الرقميين، تجسد الذكاء في هيئة فيزيائية، والتوترات الجيوسياسية، لتشكل معًا المشهد الذي يسيطر على عقول قادة التكنولوجيا، والذين يدركون أن النجاح في الموازنة بين هذه العوامل هو المفتاح لتعزيز الإيرادات في عالم متغير.














