في النصف الثاني من عام 2025، رسمت خريطة تبني الذكاء الاصطناعي مشهدًا عالميًا مليئًا بالتناقضات الصارخة، فبينما تمتلك دول عظمى مفاتيح تطوير هذه التكنولوجيا، تذهب الصدارة في الاستخدام اليومي لدول أخرى استثمرت مبكرًا في الحوكمة والثقة.
تشير البيانات الصادرة عن تقرير «تبني الذكاء الاصطناعي العالمي 2025» من مايكروسوفت، إلى أن 16.1% فقط من السكان في سن العمل عالميًا استخدموا الذكاء الاصطناعي، مما يكشف عن مساحة هائلة لا تزال شاغرة لمزيد من التبني.
انقلاب في موازين القوى الرقمية
تتجلى المفارقة الأبرز في هذا المشهد عند النظر إلى الولايات المتحدة الأمريكية. فعلى الرغم من كونها الموطن لأكبر شركات الذكاء الاصطناعي في العالم، والمركز الرئيسي للأبحاث المتطورة في هذا المجال، فإنها تقف في المرتبة 24 عالميًا بنسبة تبني بلغت 28.3% فقط.
يفسر تقرير «مقياس إيدلمان للثقة» (Edelman Trust Barometer) هذه الفجوة بين الابتكار والاستخدام، إذ تشير البيانات إلى أن 32.0% فقط من سكان الولايات المتحدة يثقون في تقنيات الذكاء الاصطناعي.
وتقف هذه النسبة المتواضعة في تضاد حاد مع دولة الإمارات العربية المتحدة، حيث تقفز الثقة إلى 67.0%، وهو ما انعكس مباشرة على معدلات الاستخدام.
تتصدر الإمارات القائمة العالمية بلا منازع، حيث يستخدم 64.0% من سكانها في سن العمل أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، مسجلة زيادة قدرها 4.6 نقطة مئوية مقارنة بالنصف الأول من العام ذاته. هذا التفوق لم يأتِ من فراغ، بل كان نتاج أطر حوكمة مبكرة تأسست منذ عام 2017 كجزء من استراتيجية وطنية استهدفت تسع قطاعات رئيسية، مما جعل استخدام التقنية في الخدمات العامة أمرًا واقعًا حتى قبل إطلاق «ChatGPT».
سباق القمة
على خطى الإمارات، تحجز سنغافورة المرتبة الثانية عالميًا بنسبة تبني بلغت 60.9%، مدعومة بنمو قدره 2.3 نقطة مئوية. تتشابه التجربة السنغافورية مع نظيرتها الإماراتية في الاستثمار المبكر في البنية التحتية والبحث والتطوير، مما خلق بيئة خصبة للاستخدام الكثيف.
وفي القارة الأوروبية، تبرز النرويج كقائد إقليمي وثالث عالميًا بمعدل 46.4%، تليها إيرلندا (44.6%) وفرنسا (44.0%).
يعكس هذا الترتيب قوة النظم البيئية التكنولوجية في هذه الدول، حيث تتجاوز معدلات التبني فيها نظيراتها في دول صناعية كبرى مثل المملكة المتحدة التي حلت تاسعًا بنسبة 38.9%، وألمانيا التي جاءت في المرتبة 21 بنسبة 28.6%.
الفجوة بين الشمال والجنوب
عند توسيع العدسة لتشمل 147 دولة شملها تقدير مايكروسوفت، تظهر بوضوح الهوة الرقمية بين نصفي الكرة الأرضية. يبلغ متوسط معدلات التبني في «الشمال العالمي» 24.7%، بينما ينخفض هذا الرقم إلى 14.1% في «الجنوب العالمي».
ومع ذلك، تكسر بعض الدول هذه القاعدة الجغرافية. ففي الشرق الأوسط، وإلى جانب الصدارة الإماراتية، تظهر قطر في المرتبة العاشرة عالميًا بنسبة 38.3%، متفوقة على دول مثل إسرائيل التي سجلت 36.1%. كما تسجل المملكة العربية السعودية حضورًا قويًا في المرتبة 32 بنسبة 26.2%، متقدمة بفارق ملحوظ عن المتوسط العالمي البالغ 16.3%.
في المقابل، تظهر دول كبرى في الجنوب العالمي معدلات قريبة من المتوسط أو أقل منه، إذ سجلت الصين نسبة 16.3%، والهند 15.7%، والبرازيل 17.1%.
السرعة المتفاوتة للتغيير
لا تقتصر القصة على الأرقام الحالية فحسب، بل تمتد إلى سرعة التغيير بين النصف الأول والثاني من عام 2025. سجلت كوريا الجنوبية (المرتبة 18) قفزة نوعية هي الأكبر في القائمة، حيث ارتفع معدل التبني بمقدار 4.8 نقطة مئوية ليصل إلى 30.7%.
على النقيض، شهدت جاميكا تراجعًا طفيفًا ونادرًا بمقدار -0.1 نقطة مئوية. وفي ذيل القائمة، تقبع كمبوديا بمعدل تبني لا يتجاوز 5.1%، حيث لا يزال نقص الاستثمار والبنية التحتية يمثلان عوائق رئيسية، رغم أن التقدم جارٍ.
نظرة تفصيلية على الخارطة العالمية
تُظهر البيانات تباينًا واسعًا حتى داخل الأقاليم الواحدة. ففي أوروبا، بينما تقود الدول الاسكندنافية وفرنسا، نجد دولًا مثل بولندا (28.5%) وإيطاليا (27.8%) بمستويات أقل نسبيًا. وفي آسيا، تتقدم تايوان (28.4%) على جارتها العملاقة الصين، بينما تأتي اليابان في مركز متأخر نسبيًا (المرتبة 51) بنسبة 19.1% فقط، وهو رقم مفاجئ لدولة معروفة بتقدمها التقني.
أما في أمريكا اللاتينية، فتتصدر كوستاريكا المشهد الإقليمي (المرتبة 31) بنسبة 26.5%، متفوقة على اقتصادات أكبر مثل المكسيك (17.8%) والأرجنتين (19.6%).
في المحصلة، يؤكد التقرير أن التكنولوجيا وحدها لا تصنع التبني، فالثقة، والحوكمة المبكرة، والبنية التحتية هي العوامل الحاسمة التي جعلت من دول مثل الإمارات وسنغافورة واحات رقمية متقدمة، تاركةً خلفها دولًا كانت هي المهد الأول لهذه التقنيات.












