تواجه أسواق تقنية الحوسبة نقصًا حادًا في مكونات ذاكرة الوصول العشوائي (RAM)، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع أسعارها بشكل غير مسبوق على مستوى العالم. وتُعد الذاكرة جزءًا حيويًا من أي نظام حوسبي، إذ تُستخدم لتخزين البيانات مؤقتًا أثناء العمليات الحسابية، لكنها أصبحت هذا العام سلعة نادرة بفعل الطلب الكبير من قطاع الذكاء الاصطناعي.

وتحتاج شركات عملاقة مثل إنفيديا وغوغل وAMD إلى كميات هائلة من الذاكرة لتشغيل رقائق الذكاء الاصطناعي، ما يجعلها تحصل على الحصة الأكبر من الإنتاج قبل غيرها. في المقابل، تسيطر ثلاث شركات رئيسية على السوق بالكامل تقريبًا، وهي: مايكرون وSK Hynix وسامسونغ إلكترونيكس، ما يمنحها القدرة على الاستفادة من الارتفاع الكبير في الطلب.

وصرح سوميت سادانا، رئيس قسم الأعمال في شركة مايكرون، خلال حديثه لشبكة CNBC في معرض الإلكترونيات الاستهلاكية في لاس فيغاس، أن الطلب على الذاكرة فاق بكثير القدرة الإنتاجية لشركات القطاع، وأن صناعة الذاكرة ككل لا يمكنها تلبية هذا الطلب الهائل. وأضاف أن نقص الذاكرة أصبح واضحًا في كل الأسواق، مما ينعكس على الأسعار بشكل مباشر.

وقد انعكس هذا الوضع على أداء الشركات المالية، حيث ارتفع سهم مايكرون بنسبة 247% خلال العام الماضي، فيما تضاعف صافي دخلها تقريبًا ثلاث مرات في الربع الأخير. وصرحت سامسونغ بأنها تتوقع ارتفاع أرباحها التشغيلية بنفس الوتيرة. كما تفكر شركة SK Hynix في إدراج أسهمها في البورصة الأمريكية بعد أن ضمنت كامل إنتاجها من الذاكرة لعام 2026.

ارتفاع أسعار الذاكرة المستهلكة

أفادت شركة TrendForce، المتخصصة في أبحاث سوق الذاكرة، أن متوسط أسعار ذاكرة DRAM قد يرتفع هذا الربع بين 50% و55% مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025، ووصفت هذا الارتفاع بأنه "غير مسبوق". وأوضح توم هسو، المحلل في الشركة، أن ارتفاع الأسعار يطال جميع أنواع الذاكرة تقريبًا، وليس فقط المستخدمة في الخوادم.

وتشمل رقائق الذكاء الاصطناعي الحديثة ذاكرة متخصصة تُعرف باسم HBM (High Bandwidth Memory) تُركب بالقرب من وحدة معالجة الرسومات (GPU) لتسريع الحسابات. وتنتج مايكرون هذه الذاكرة لشركات مثل إنفيديا وAMD، وتتوفر بسعات هائلة تصل إلى 288 غيغابايت لكل شريحة في معالج Rubik الجديد من Nvidia، وتُثبّت في ثمانية أقسام على الرقاقة نفسها. بالمقارنة، تأتي الهواتف الذكية الحديثة بسعات DDR لا تتجاوز 8 أو 12 غيغابايت.

وتُعد عملية تصنيع HBM معقدة، حيث يتم تكديس 12 إلى 16 طبقة من الذاكرة على شريحة واحدة، ما يجعل إنتاج وحدة واحدة من HBM يستنزف إنتاج ثلاث وحدات من ذاكرة DRAM التقليدية. وأوضح سادانا أن هذا "الأساس الثلاثي إلى واحد" يقلل من كمية الذاكرة المتاحة للأسواق الأخرى، ويزيد الضغط على الأسعار.

الذكاء الاصطناعي يخلق حاجز الذاكرة

أوضح شا ربيعي، المؤسس المشارك لشركة ماجستيك لابز، أن الأنظمة الحديثة للذكاء الاصطناعي أصبحت أسرع بشكل كبير، لكن الذاكرة لم تتطور بنفس الوتيرة، ما أدى إلى ظاهرة يُطلق عليها اسم "جدار الذاكرة"، حيث تنتظر وحدات معالجة الرسومات البيانات المطلوبة قبل أن تتمكن من معالجة المهام. ويمنع هذا التحدي زيادة الأداء بالاعتماد على وحدات معالجة الرسومات وحدها.

ويؤدي توفير المزيد من الذاكرة الأسرع إلى إمكانية تشغيل نماذج أكبر، واستيعاب عدد أكبر من المستخدمين في الوقت نفسه، وتحسين تفاعل برامج الذكاء الاصطناعي مع المستخدمين عبر تذكر المحادثات السابقة. وتعمل ماجستيك لابز على تطوير نظام ذكاء اصطناعي مزود بذاكرة تصل إلى 128 تيرابايت، أي ما يعادل حوالي 100 ضعف ذاكرة بعض أنظمة الذكاء الاصطناعي الحالية.

تأثير النقص على الأسواق الاستهلاكية

تعكس شركات الإلكترونيات، مثل آبل وديل، مخاوفها بشأن ارتفاع أسعار الحواسيب المحمولة وأجهزة الخوادم بسبب نقص الذاكرة. وأشار جيڤري كلارك، الرئيس التنفيذي للعمليات في ديل، إلى أن الشركة ستضطر لتعديل مزيج المنتجات لتخفيف التأثير على الأسعار، لكنه أكد أن النقص سينعكس على السوق بالتأكيد.

وحتى Nvidia، أكبر عميل لذاكرة HBM، تواجه تساؤلات حول كيفية تلبية الطلب المرتفع من العملاء في قطاع الألعاب. وأكد الرئيس التنفيذي للشركة، جنسن هوانغ، خلال CES، أن جميع الشركات المنتجة للذاكرة تعمل على تلبية الطلب، لكن في النهاية سيظل هناك حاجة إلى توسعة خطوط الإنتاج.

بدوره، أكد سادانا أن مايكرون لا تستطيع تلبية سوى ثلث احتياجات بعض العملاء المتوسطة المدى، وأن الشركة تعمل على بناء مصنعين جديدين في ولاية أيداهو ليبدآ الإنتاج في 2027 و2028، بالإضافة إلى مصنع ثالث في نيويورك متوقع تشغيله في 2030. وحتى ذلك الحين، وصف سادانا الوضع الحالي بقوله: "لقد نفدت جميع التذاكر لعام 2026".

اقرأ أيضًا:

ميتا تستثمر في الطاقة النووية لدعم نمو الذكاء الاصطناعي

هل يتفوق الذكاء الاصطناعي على البشر في الإبداع؟

إنفيديا تطلق نظام الذكاء الاصطناعي "المنطقي" للقيادة الذاتية