لم يعد الوصول إلى قمة المنافسة الرياضية مرتبطًا بقوة الجسد وحدها، إذ بدأ بعض الرياضيين يتعاملون مع الدماغ كعضلة تحتاج إلى تدريب خاص، خصوصًا حين يتحول الإرهاق الذهني إلى عائق أمام الأداء.

بالنسبة إلى راكب الدراجات البريطاني توم بورتسموث، البالغ 24 عامًا، بدأ هذا الإدراك بعد فترة صعبة عاشها إثر إصابة كادت تعيد حساباته بشأن مستقبله الرياضي، ففي مايو 2023، سقط خلال سباق باريس روبيه لفئة تحت 23 عامًا وكسر وركه، ومع عودته إلى الدراجة واستعادته ثقته، أدرك أن تجاوز الإصابة لم يكن كافيًا لضمان استمراره في مسيرته، خصوصًا مع تزايد المنافسة على الرعاية والتمويل.

ومع امتداد السباقات قرابة 5 ساعات، كان ذهنه ينشغل بالألم والتعب والثقة والقلق من انزلاق الدراجة مجددًا، حتى بدأ يرى أن ما يعوقه لا يتعلق بالجسد وحده، يقول بورتسموث «شعرت أن الإرهاق الذهني كان يعيق أدائي، لذلك بدأت أبحث عن طرق لتحريره».

وقد قادته هذه المحاولة إلى تدريب التحمل الدماغي، أو BET، وهو مفهوم قديم نسبيًا يحظى باهتمام متزايد في أبحاث رياضات التحمل. وتقوم الفكرة على أن الإرهاق الذهني قد يحد من الأداء البدني، ما يعني أن مقاومة هذا الإرهاق يمكن أن تصبح جزءًا من تدريب الرياضي.

ويشرح الدكتور كريستوفر رينج، أستاذ علم النفس في جامعة برمنجهام، أن حدود التحمل شغلت الباحثين لسنوات، ويرى أن قرار الاستمرار في تلك الخطوة الإضافية قد يبدأ في الدماغ، لا في الجسد وحده، لذلك يجمع التدريب بين الجهد البدني والتمارين المعرفية، بحيث يصل الرياضي إلى حالة من الإرهاق الجسدي والذهني.

ويؤدي الرياضي تمارين معرفية لمدة تتراوح من 15 إلى 20 دقيقة قبل جلسة رياضية طويلة أو بعدها، لعدة مرات أسبوعيًا، ولا يطبق رينج برنامجًا موحدًا على الجميع، إذ يبدأ بتحديد قدرات كل رياضي ونقاط ضعفه، ثم يبني خطة تحافظ على نقاط القوة وتعمل على تطوير الجوانب التي تحتاج إلى تحسين.

حين يصبح الضجيج صمتًا

مع بورتسموث، ارتبط التدريب بتجربة مختلفة في أثناء السباق، حين وصل إلى ما يعرف بحالة التدفق، ويتذكر أول مرة اختبر فيها تلك الحالة قبل أقل من عام على بدء التدريب، خلال سباق سيركوي فرنك بلجي 2025، يقول «عادة ما تكون مجموعة الدراجين صاخبة جدًا، وأنا شديد الحساسية لذلك. تسمع الرياح وتبديلات السرعات، ثم هناك ضوضائي الداخلية. لكن هذه المرة لم أعد أستطيع حتى وصف الأمر. كان كل شيء صامتًا تمامًا. كنت مندمجًا بالكامل مع نفسي، أجد طريقي بانسيابية عبر المجموعة، ثم خرجت إلى المقدمة».

وتدعم دراسات رينج التي شملت راكبي الدراجات ولاعبي كرة القدم والبادل ورافعي الأثقال الهواة هذه الفكرة، إذ تمكن المشاركون الذين خضعوا لتدريب التحمل الدماغي من الأداء لفترة أطول وبمستوى أفضل قبل الوصول إلى التعب.

ولم تقتصر التجربة على بورتسموث، إذ خاضت المتزلجة الكندية ألي نولماير تجربة مماثلة قبل أولمبياد 2022، بعدما تعرضت لإصابة في الركبة واضطرت إلى التوقف 3 أسابيع قبل الألعاب. وخلال الأيام الـ3 السابقة لمنافستها، أدت تمارين التحمل الدماغي قبل كل جولة تدريبية.

قالت نولماير إن تركيزها كان أفضل، وإنها استطاعت الأداء عند الطلب، متفاجئة بما قدمته رغم قلة التدريب على الثلج. ومن هذه النقطة اتسع نطاق الفكرة خارج الرياضات نفسها، مع ظهور أدوات رقمية تقدم هذا النوع من التدريب.

من بين هذه الأدوات تطبيق Soma NPT، الذي أُطلق عام 2018 ويستخدمه رينج ومدربون آخرون. ويقول الرئيس التنفيذي جرانت هايز إن التطبيق يتجاوز قطاع الرياضة ويضم أكثر من 22 ألف مستخدم، مع اهتمام متزايد من مجالات طول العمر والأداء المؤسسي وبيئات العمل عالية الأداء.

ويشير هايز إلى أن مستخدمي التطبيق يشملون رؤساء تنفيذيين وجهات حكومية، بينما تجري الشركة محادثات مع إدارات الإطفاء. ويختلف التركيز بحسب طبيعة العمل، من الحفاظ على الأداء الذهني والبدني تحت الإرهاق لدى الرياضيين، إلى تعزيز الانتباه والتحمل المعرفي للعاملين في المهن عالية الضغط.

ومع امتداد التدريب من الملاعب والمنحدرات إلى بيئات العمل، تعود الفكرة إلى السؤال الذي بدأ مع بورتسموث، وهو ما الذي يحدث عندما يصبح الإرهاق الذهني جزءًا من المعركة على الأداء، وإلى أي حد يمكن للعقل أن يتعلم مواصلة العمل حين يبدأ التعب في سحب الإنسان إلى الخلف.