أعلن ليونيل ميسي اعتزاله اللعب الدولي مع منتخب بلاده، اليوم الاثنين، بعد أشهر من قيادته الأرجنتين لبلوغ نهائي كأس العالم الذي خسرته أمام إسبانيا، لتنتهي بذلك مسيرة دولية استمرت عقدين من الزمن توجها بلقب كأس العالم عام 2022 وبطولتي كوبا أمريكا
ويترك النجم، الحائز على جائزة الكرة الذهبية 8 مرات، إرثًا يتضمن لقب كأس العالم وبطولتين لكوبا أمريكا، بعدما خرج من ظل الأسطورة دييجو مارادونا ليصنع إرثًا أرجنتينيًا خاصًا به، حارمًا نفسه في الوقت ذاته من الختام المثالي لمسيرته وهو في سن 39 عامًا، بعد خسارة الأرجنتين أمام إسبانيا في نهائي كأس العالم لهذا العام، ما فوّت عليه فرصة التتويج بلقب عالمي ثانٍ.
الطريق الصعب
قبل 4 سنوات في قطر، رفع ميسي الكأس التي طاردها طوال مسيرته، مسجلًا 7 أهداف في البطولة، من بينها هدفان في النهائي أمام فرنسا، قبل أن تحسم الأرجنتين اللقاء بركلات الترجيح.
غير أن الطريق إلى ذلك التتويج لم يكن يسيرًا، إذ ارتبطت علاقة ميسي بقميص الأرجنتين لسنوات طويلة بما لم يحققه أكثر من ارتباطها بما أنجزه، رغم النجاحات التي حققها مع برشلونة وحصوله على كل الألقاب الفردية والجماعية المتاحة. فقد بلغ نهائي كأس العالم 2014 في البرازيل لتخسر الأرجنتين أمام ألمانيا في الوقت الإضافي، ثم جاءت خسارتان متتاليتان في نهائي كوبا أمريكا عامي 2015 و2016 عمقتا الشعور بأن المجد الدولي قد يظل بعيد المنال.
عقب الخسارة الثانية أمام تشيلي بركلات الترجيح، ابتعد ميسي مؤقتًا عن المنتخب في حالة من خيبة الأمل، وقال حينها «انتهى الأمر بالنسبة لي مع المنتخب الوطني». لكن الأمر لم ينتهِ، إذ عاد ميسي وتغيرت قصته تدريجيًا، فبنت الأرجنتين تحت قيادة المدرب ليونيل سكالوني فريقًا حول قائدها دون أن تصبح معتمدة عليه بالكامل، محيطة نجمها المخضرم بطاقة وقوة والتزام جماعي سمحا لموهبته بالتألق.
وجاء الاختراق في نسخة كوبا أمريكا 2021، عندما هزمت الأرجنتين البرازيل في ملعب ماراكانا لتمنح ميسي أول لقب دولي كبير له مع المنتخب الأول، لتتلوها بطولة كأس العالم بعد 18 شهرًا، حيث كان ميسي رائعًا في قطر، مسجلًا أهدافًا وصانعًا تمريرات حاسمة ولحظات إلهام، بعدما تعافت الأرجنتين من خسارة مفاجئة في افتتاح البطولة أمام السعودية لتبلغ النهائي. وسجل هدفين أمام فرنسا قبل أن يحوّل ركلته الترجيحية، رافعًا أخيرًا الكأس التي كانت القطعة الناقصة في مسيرته، لينضم بذلك إلى مصاف أعظم لاعبي الرياضة أو يعلو عليهم.
هكذا أصبح الفتى الخجول الذي غادر روساريو إلى برشلونة في سن الثالثة عشرة، الذي كان يوصف أحيانًا في بلاده بأنه أقرب إلى الكتالوني منه إلى الأرجنتيني، القائد غير المنازع للمنتخب الوطني، فحلت الأغاني والجداريات والاحتفالات محل الدموع وخيبة الأمل من الإخفاقات السابقة.
ولم يتوقف ميسي عند تلك النقطة، إذ واصل اللعب، منتقلًا من باريس سان جيرمان إلى إنتر ميامي، وساعد الأرجنتين على الاحتفاظ بلقب كوبا أمريكا عام 2024 قبل محاولة أخيرة في كأس العالم.
كهل ما يزال يملك الموهبة
بحلول عام 2026، تراجعت الانفجارات الحركية السريعة التي كانت تعجز المدافعين، لكن ميسي تكيّف مع ذلك، إذ أصبح يمشي أكثر وينتظر أكثر ويختار لحظاته، محافظًا على طاقته بينما تعمل الأرجل الأصغر سنًا من حوله، فيما ظلت الصفات الأساسية حاضرة، من وعي بالمساحات ودقة في وزن التمريرة وقدرة على تغيير مجرى المباراة بلمسة واحدة.
وكان الفريق الذي بلغ نهائي 19 يوليو مختلفًا، إذ لم يعد مجرد مجموعة لاعبين تنتظر الخلاص من ميسي، إنما فريقًا محنكًا ومعتادًا على الفوز، تشكّل عبر سنوات من اللعب إلى جانب قائده. وسمح هذا التطور لميسي بإطالة مسيرته الدولية إلى ما هو أبعد مما بدا ممكنًا في السابق، ومغادرة اللعبة وفق شروطه الخاصة.
تضع أرقام ميسي اسمه بين عمالقة كرة القدم الدولية، غير أن الإحصاءات وحدها لا تروي قصة رحلته من التوقعات إلى الرفض، ثم من خيبة الأمل إلى الاحتفاء، ذلك أن كل هزيمة كانت تقدم لسنوات كدليل على ما يفصله عن مارادونا.
وبحلول النهاية، أصبح هذا الجدل غير ذي أهمية إلى حد كبير، إذ قاد مارادونا الأرجنتين إلى كأس العالم عام 1986، بينما فعل ميسي الأمر ذاته بعد سنوات من المحاولة عام 2022، وعاد بعد 4 سنوات ليقود بلاده إلى مسافة شعرة من لقب آخر.








