شهدت كرة القدم الأفريقية تحولًا لافتًا في نتائج كأس العالم خلال السنوات الأخيرة، ففي نسخة 2018 بروسيا، فشلت المنتخبات الأفريقية الخمسة في تجاوز دور المجموعات، واكتفت بتحقيق ثلاثة انتصارات فقط من أصل 15 مباراة.
لكن مع الوصول إلى كأس العالم 2026، تبدو القارة في موقع مختلف تمامًا، في إطار مشروع التوسعة الذي أطلقه رئيس الفيفا جياني إنفانتينو، حيث تأهلت معظم المنتخبات الأفريقية من مرحلة المجموعات، ولم يخرج منها سوى منتخب واحد.
وجاءت المنتخبات التي أنهت دور المجموعات في المركز الثالث لتضم الرأس الأخضر، مصر، ساحل العاج، المغرب، جنوب أفريقيا، الجزائر، جمهورية الكونغو الديمقراطية، غانا والسنغال، فيما كان الاستثناء الوحيد هو منتخب تونس الذي لم ينجح في التأهل، في المقابل، تبدو الصورة مختلفة في آسيا، إذ لم ينجح سوى منتخبين من أصل تسعة في العبور من دور المجموعات، ما يعكس فجوة واضحة في النتائج بين القارتين، بحسب "BBC Sport".
المنتخبات الأفريقية الحصان الأسود للبطولة
ويعود التحول في أداء المنتخبات الأفريقية إلى ما قبل مونديال 2018 بسنوات، بعد اعتماد توسعة كأس العالم رسميًا، رغم أن النتائج وقتها لم تكن مشجعة، حيث حققت القارة حصيلة ضعيفة أثارت تساؤلات حول زيادة عدد المقاعد.
لكن بعد ثماني سنوات، تبدلت الصورة بشكل واضح، مع تحسن ملحوظ في مستوى المنتخبات الأفريقية، وهو ما ربطه رئيس الاتحاد الأفريقي باتريس موتسيبي بـ"العمل الجاد والاستثمارات في تطوير كرة القدم الشبابية، والتدريب، والدوريات الاحترافية".
وسجلت كأس العالم في قطر 2022 نقطة تحول، بعدما تأهل منتخبان أفريقيان إلى الأدوار الإقصائية للمرة الأولى، قبل أن يحقق المغرب إنجازًا تاريخيًا ببلوغه نصف النهائي، عقب انتصارات بارزة على بلجيكا وإسبانيا والبرتغال، قبل أن ينتهي مشواره أمام فرنسا.
وقال قائد منتخب نيجيريا السابق ويليام تروست إيكونغ في تصريحات لـ"BBC Sport Africa" إن المغرب قدم "خطة واضحة للتطور"، موضحًا: "المغرب وضع نموذجًا لكيفية الوصول إلى هذا المستوى، من خلال الاستثمار في الأكاديميات وتطوير المواهب منذ الصغر"، مضيفًا: "الأمر لا يتعلق بالمال فقط، بل بالاستمرارية ووضوح الرؤية عبر مختلف الفئات العمرية".
المقاعد زادت ولكن لم تنهِ الفجوة في الأداء بين القارات
ورغم أن نظام كأس العالم الموسع ساهم في زيادة عدد المنتخبات، إلا أنه لم يُحدث توازنًا واضحًا بين القارات، ففي النسخ الأخيرة، تغيرت خريطة المجموعات، وأصبح عدد الفرق المتأهلة أكبر، ما أدى إلى زيادة مباريات دور الـ32، دون أن يغير ذلك من الفجوة في الأداء العام.
ويطرح هذا الواقع تساؤلات حول مدى قدرة المنتخبات الأفريقية على مواصلة التقدم في البطولة الحالية، فقد خرج منتخب جنوب أفريقيا من دور الـ32 بهدف متأخر أمام كندا، في حين يواصل منتخب المغرب مشواره، وسط ترقب لمواجهات قوية في الأدوار المقبلة.
ويواجه المنتخب المغربي، بطل أفريقيا، اختبارات صعبة في طريقه، في ظل وجود منتخبات مصنفة ضمن الأعلى عالميًا، مثل الأرجنتين والبرازيل وإنجلترا وفرنسا، ما يجعل الوصول إلى الأدوار المتقدمة تحديًا كبيرًا لأي منتخب أفريقي.
هذا هو الفارق بين آسيا وأفريقيا.. نتائج غير متوقعة
على الجانب الآخر، أظهرت الأرقام تراجعًا واضحًا للمنتخبات الآسيوية، التي حققت ثلاثة انتصارات فقط من أصل 27 مباراة، بمعدل 0.67 نقطة لكل مباراة، مقارنةً بأفريقيا التي حققت 10 انتصارات في 30 مباراة بمعدل 1.33 نقطة.
وفي مواجهات مباشرة بين القارتين خلال دور المجموعات، لم ينجح أي منتخب آسيوي في تحقيق الفوز، ما يعكس الفارق في الجاهزية الفنية، وتأهلت كل من أستراليا واليابان وكوريا الجنوبية إلى دور الـ16 في النسخة السابقة، لكن في البطولة الحالية لم ينجح سوى أستراليا واليابان في تكرار الإنجاز.
وقال مدرب أوزبكستان فابيو كانافارو عقب خروج فريقه من دور المجموعات: "باستثناء اليابان وأستراليا وربما إيران، هناك حاجة واضحة للتطور لدى بقية المنتخبات".
وفي كوريا الجنوبية، دفع الأداء الضعيف إلى تحركات رسمية، حيث دعا الرئيس لي جاي ميونغ إلى فتح تحقيق، واصفًا ما حدث بأنه "فشل في التنظيم والأفراد"، قبل أن يقدم المدرب هونغ ميونغ بو استقالته بعد عامين في المنصب.
أما الأردن، الذي شارك للمرة الأولى في تاريخه، فقد خرج دون تحقيق أي فوز، مسجلًا ثلاثة أهداف مقابل استقبال ثمانية، وقال مدربه جمال سلمي إن الفارق يعود إلى خبرات اللاعبين، موضحًا: "اللاعبون الأفارقة يشاركون في دوريات أوروبية كبرى، وهذا يصنع الفارق".
وتدعم الإحصاءات هذا الطرح، إذ تضم منتخبات أفريقية عدة لاعبين ينشطون في أوروبا، بينما لا تزال بعض المنتخبات الآسيوية تعتمد بدرجة أكبر على اللاعبين المحليين، وتعكس هذه العوامل فجوة واضحة في مسار التطوير بين القارتين، في وقت يواصل فيه الاتحاد الآسيوي البحث عن حلول لتعزيز التنافسية في ظل النظام الموسع للمونديال.









