سجّلت النرويج رقمًا قياسيًا جديدًا في دورة الألعاب الأولمبية الشتوية ميلانو–كورتينا 2026، بعدما أنهتها برصيد 18 ميدالية ذهبية و41 ميدالية إجمالًا، مؤكدة صدارتها المتواصلة في الألعاب الشتوية منذ دورة الألعاب الأولمبية الشتوية بيونجتشانج التي أقيمت في عام 2018.
وتأتي هذه الهيمنة رغم أن عدد سكان النرويج لا يتجاوز نحو خمسة ملايين ونصف المليون نسمة، وهو رقم يقارب عدد سكان ولاية كارولاينا الجنوبية الأمريكية، في مقابل دول تفوقها ديموغرافيًا مثل الصين (1.4 مليار نسمة)، والولايات المتحدة (342 مليونًا)، وألمانيا (84 مليونًا)، وإيطاليا (59 مليونًا)، وكندا (40 مليونًا).
فلسفة «المتعة أولًا»
يرجع المسؤولون النرويجيون جانبًا كبيرًا من التفوق إلى فلسفة تبدأ في المراحل السنية المبكرة، فحتى سن 12 عامًا، لا يُسمح في الرياضات المدرسية بتسجيل النتائج أو ترتيب الدوريات، كما لا يُشجَّع التخصص المبكر في لعبة واحدة، ويُمنح جميع الأطفال الجوائز نفسها بهدف إبقائهم منخرطين في النشاط الرياضي.
ويوضح مدير الرياضة النخبوية في النرويج، توري أوبربرو، الأمر قائلًا: «أجد أن كثيرًا من الأنظمة الرياضية الكبيرة مشغولة أكثر بالتخلص من الناس في سن مبكرة بدل تطوير أكبر عدد ممكن». مضيفًا: «الأمر كله يتعلق بالاختيار، والاختيار طريقة أخرى للتخلص من الناس. نحن قليلون. علينا أن نعتني بالجميع».
وتُظهر الأرقام اتساع قاعدة المشاركة، إذ قال أوبربرو إن 93% من سكان النرويج شاركوا في نوع من الرياضة المنظمة بحلول سن 25 عامًا.
أمثلة على المسار الطويل
هذا النهج سمح ببقاء عدد أكبر من اللاعبين في المنظومة حتى تتكشف مواهبهم، فإرلينج هالاند لعب حتى سن 16 ضمن مجموعة تطوير مختلطة في نادي «Bryne FK»، من دون تقسيم إلى فرق أولى وثانية وثالثة، ومن دون إقصاء لاعبين، قبل أن يتحول إلى أحد أبرز المهاجمين في كرة القدم.
كما أن يوهانس هوسفلوت كلايبو، الذي كان يطمح في صغره لأن يصبح لاعب كرة قدم، حصد في إيطاليا ست ذهبيات في التزلج الريفي، ليصل مجموع ذهبياته الأولمبية إلى 11، متجاوزًا ثلاثة رياضيين كانوا يملكون ثماني ذهبيات لكل منهم، وجميعهم نرويجيون.
ولا يقتصر التفوق النرويجي على الرياضات الشتوية، إذ برز أبطال أولمبيون في الكرة الطائرة الشاطئية وألعاب القوى، كما يُحتفى ببرنامج الترايثلون بوصفه الأفضل عالميًا، إضافة إلى أسماء بارزة مثل فيكتور هوفلاند في الجولف، وكاسبر رود الذي بلغ المركز الثاني عالميًا في تصنيف رابطة محترفي التنس، وأدا هيجيربيرج الحاصلة على الكرة الذهبية.
تعاون بين الرياضة والعلم
جير يوردِت، أستاذ علم النفس وكرة القدم في المدرسة النرويجية لعلوم الرياضة في أوسلو، لخّص عناصر النجاح بثلاث كلمات: «التعاون، والتواصل، والرعاية». وأشار إلى أن مركز الرياضات الأولمبية يبعد 10 أمتار فقط عن جامعة الرياضة، ما يسهّل تبادل المعرفة بين الباحثين والمدربين والرياضيين، ويعزز الاستفادة من العلوم والتكنولوجيا في برامج النخبة.
وقال: «هناك ثقافة مشاركة قوية عبر الرياضات في النرويج… خطوط الاتصال قصيرة عندما يتعلق الأمر بالمعرفة».
مقارنة مع النموذج الأمريكي
في المقابل، يواجه النظام الرياضي في الولايات المتحدة انتقادات تتعلق بالضغط المبكر والتكلفة المرتفعة، حيث يسخر الممثل الكوميدي جوش مانكوسو من نظام «البيسبول المتنقل» الذي يبدأ من سن السابعة، مشيرًا في مقطع انتشر على نطاق واسع إلى أن تكلفة المشاركة قد تصل إلى 27 ألف دولار لكل عائلة. وقال: «الفيديو لامس عائلات كثيرة لأنه من نوعية "مضحك… لكنه ليس كذلك"».
كما أفادت الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال في تقرير عام 2024 بأن 70% من الرياضيين الشباب في الولايات المتحدة يتركون الرياضة المنظمة بحلول سن 13، بسبب الإصابات والإرهاق، مضيفة أن «التوقف عن الرياضة خلال الطفولة يلعب دورًا في أن أكثر من 75% من المراهقين في الولايات المتحدة لا يلبون توصيات النشاط البدني».
الكاتب براد ستولبرج قال إن «الأمريكيين يمكن أن يتعلموا الكثير من النموذج النرويجي»، خاصة «التركيز على المتعة والمشاركة بدل الفوز»، موضحًا أن السبب الأول لترك الأطفال الرياضة هو فقدان المتعة، يليه الشعور بضغط مفرط.
وتُظهر التجربة النرويجية توازنًا بين قاعدة مشاركة واسعة وبرامج نخبوية مدعومة بالعلم والتعاون المؤسسي. ومع 18 ذهبية و41 ميدالية في 2026، واستمرار الصدارة منذ 2018، يقدّم النموذج النرويجي مثالًا على مسار تطوير طويل الأمد، يقوم على إبقاء الأطفال في الرياضة لأطول فترة ممكنة، قبل إدماجهم في منظومات أداء عالية المستوى.














