تُعد اضطرابات القلق من أكثر الاضطرابات النفسية شيوعًا حول العالم، إذ تؤثر في نحو 359 مليون شخص. وتشير الأبحاث إلى أن التنفس المتحكم فيه قد يساعد كثيرًا من الأشخاص على تنظيم مستويات القلق، رغم أن الآلية الدقيقة وراء هذا التأثير لا تزال غير مفهومة بالكامل.

وبحسب تقرير نشره موقع "ScienceAlert"، كشفت دراسة جديدة أجريت على الفئران، ونُشرت في مجلة "PNAS"، عن وجود "دائرة جديدة من الأنف إلى الدماغ" قد تساعد في تفسير كيفية تأثير التنفس عبر الأنف على القلق.

كيف يؤثر التنفس على المشاعر؟

لطالما أدرك البشر وجود علاقة بين التنفس والحالة العاطفية، وهو ما يظهر في ممارسات قديمة مثل "البراناياما" وتمارين التنفس في التقاليد الطاوية، إلى جانب العديد من أشكال التأمل. وفي السنوات الأخيرة، دعمت الأبحاث العلمية بشكل متزايد العلاقة بين أنماط التنفس ونشاط الدماغ، إذ تشير الأدلة إلى أن الأنماط العصبية يمكن أن تستجيب حتى للاختلافات الطفيفة بين نفس وآخر.

وأظهرت دراسات سابقة أن التنفس البطيء والمنتظم يمكن أن يحدث "تأثيرات تعديلية عميقة على الحالات العاطفية"، كما ثبتت فعاليته سريريًا في مواجهة اضطرابات القلق، وفقًا لمؤلفي الدراسة الجديدة.

ويبدأ إيقاع التنفس التلقائي في جذع الدماغ، بينما يمكن للإنسان تعديل هذا الإيقاع بصورة واعية من خلال مسار عصبي "من أعلى إلى أسفل" يمتد من القشرة الأمامية إلى جذع الدماغ، بما يسمح بتجاوز العملية اللاإرادية للتنفس والتحكم فيها عمدًا.

ومع ذلك، لا تزال الآليات العصبية التي تسمح للتنفس، سواء التلقائي أو المتحكم فيه، بالتأثير على القلق غير مفهومة بصورة كاملة. وهنا ركزت الدراسة الجديدة على الكشف عن هذه الآليات، في محاولة لفهم إمكانات تمارين التنفس كوسيلة بسيطة وغير جراحية للتعامل مع القلق.

لماذا يختلف التنفس عبر الأنف؟

تشير نتائج الدراسة إلى أن التنفس الأنفي البطيء قد يكون أكثر فاعلية في تهدئة القلق من التنفس الفموي البطيء، ما يرجح وجود دور خاص للأنف في تنظيم المشاعر. كما أظهرت أبحاث سابقة أن إيقاع التنفس عبر الأنف يمكن أن يتزامن مع تذبذبات الدماغ لدى البشر والقوارض.

ويرى الباحثون أن خلايا عصبية متخصصة داخل الأنف، تُعرف باسم "الخلايا العصبية الحسية الشمية"، قد تؤدي دورًا رئيسيًا في هذه العملية. فهذه الخلايا، التي تستشعر الروائح وتنقل إشاراتها إلى الدماغ، يمكنها أيضًا رصد حركة الهواء داخل الأنف.

ويؤدي نشاط هذه الخلايا إلى تغييرات مماثلة في البصلة الشمية، وهي منطقة في الدماغ الأمامي ترتبط بحاسة الشم وتتصل كذلك بالجهاز الحوفي، وهو شبكة من هياكل الدماغ تشارك في تنظيم المشاعر والاستجابة للضغط النفسي.

وتشير هذه النتائج إلى وجود ما وصفه الباحثون بـ"الآلية الأنفية الحوفية"، التي قد تسمح لإيقاع التنفس الأنفي بالتأثير في نشاط الخلايا العصبية الحسية عبر الإشارات الناتجة عن تدفق الهواء، ومن ثم المساعدة في تنظيم القلق داخل الدماغ.

دائرة عصبية مرتبطة بالقلق

لاختبار هذه الفرضية، تلاعب الباحثون بتردد الإشارات الحسية القادمة من الأنف لدى ذكور الفئران باستخدام تقنيات التحفيز البصري الوراثي، كما تحكموا في تدفق الهواء داخل تجاويف الأنف من خلال قنيات مزروعة.

واستخدم الفريق مجموعة من التقنيات، شملت علم البصريات الوراثية، وعلم الوراثة الكيميائية، وعلم وظائف الأعضاء الكهربائية، وقياس الضوء الليفي، والاختبارات السلوكية، وتتبع الفيروسات، بهدف تحديد الآليات الخلوية والعصبية المسؤولة عن تأثير التنفس الأنفي على الحالة العاطفية.

وكشفت التجارب عن مسار عصبي يبدأ بالخلايا العصبية الحسية الشمية التي تستشعر الشهيق عبر الأنف، ثم تنقل الإشارات إلى الخلايا الميترالية في البصلة الشمية. ومن هناك تنتقل المعلومات إلى خلايا عصبية بينية ذات إسقاطات طويلة في القشرة المحيطة بالأنف، قبل أن تصل في النهاية إلى الخلايا العصبية الغلوتاماتية في اللوزة القاعدية الجانبية الخلفية. ووجد الباحثون أن تدفق الهواء عبر الأنف ينظم السلوك المرتبط بالقلق من خلال هذا المسار بطريقة تعتمد على تردد التنفس، ما يشير إلى أن تأثير التنفس على القلق قد يرتبط بعدد مرات استنشاق الهواء عبر الأنف.

كما تبين أن هذا التأثير يمكن أن يسير في الاتجاهين؛ إذ قد يؤدي التنفس الأبطأ إلى خفض السلوكيات المرتبطة بالقلق، بينما يمكن للتنفس الأسرع أن يزيدها. وعندما قام الباحثون بتعطيل جزء من المسار العصبي الممتد من البصلة الشمية إلى القشرة المحيطة بالأنف باستخدام علم الوراثة الكيميائية، اختفت العلاقة بين تردد الإشارات الحسية الأنفية وتنظيم القلق.

وأظهر تنشيط الدائرة العصبية أو تثبيطها تأثيرات متعاكسة، إذ ارتبط التنشيط بتقليل السلوكيات الشبيهة بالقلق، بينما أدى التثبيط إلى تأثيرات تزيدها، بما يتوافق مع نتائج التحفيز منخفض وعالي التردد للخلايا العصبية الحسية الشمية.

هل يمكن أن يساعد التنفس البطيء؟

في تجربة أخرى، أخضع الباحثون مجموعة من الفئران لنظام من تدفق الهواء الأنفي البطيء والمتحكم فيه لمدة أسبوعين، ما أدى إلى استعادة النشاط العصبي وتقليل السلوكيات الشبيهة بالقلق.

ورغم هذه النتائج، يؤكد الباحثون أن الدراسة أجريت على ذكور الفئران فقط، واستخدمت إجراءات إجهاد تجريبية وتحفيزًا عصبيًا وتدفقًا للهواء بدرجة عالية من التحكم، لذلك لا يزال من الضروري إجراء مزيد من الأبحاث لمعرفة ما إذا كانت هذه النتائج يمكن تطبيقها على البشر.

ومع ذلك، تشير النتائج إلى أن التنفس الأنفي البطيء، بمعدل يقارب نصف المعدل الطبيعي، قد يمثل مستقبلًا وسيلة بسيطة وغير جراحية للمساعدة في علاج القلق، وفقًا للباحثين.