لم يعد تغير المناخ تهديدًا يطال البيئة وحدها، بل بدأ يغيّر ما يصل إلى موائدنا أيضًا. فارتفاع درجات الحرارة وتقلبات الطقس الحادة والجفاف وارتفاع مستوى سطح البحر، عوامل تضغط على المحاصيل والثروة السمكية، وقد تغير كمية الغذاء وقيمته الغذائية وأسعاره.
وبحسب تقرير نشره موقع livescience تكشف تجربة محصول القمح الشتوي في ولاية كولورادو الأمريكية حجم التحدي؛ فبعد شتاء دافئ وجاف، تعرضت النباتات لموجة برد قارس استمرت 12 ساعة، قبل أن ترتفع الحرارة بعد يومين إلى نحو 32.2 درجة مئوية. وعند إعلان نتائج الحصاد في يوليو، كانت 73% من المحاصيل في حالة سيئة أو سيئة للغاية. ووفقًا لتقديرات منظمة "كولورادو ويت"، كان محصول القمح الشتوي لعام 2026 الأصغر في الولاية منذ 1965.
الغذاء يصبح أقل قيمة غذائية
مع ارتفاع حرارة الأرض، يُتوقع أن تصبح المحاصيل أقل قيمة غذائية، إذ إن زراعتها في مستويات مرتفعة من ثاني أكسيد الكربون ترتبط بنقص الزنك والبروتين والمغنيسيوم والحديد وعناصر أخرى، نتيجة عمليات نباتية لم تُفهم بالكامل. وأصبحت المحاصيل بالفعل أقل قيمة غذائية مقارنة بخمسينيات القرن الماضي، ويرجع ذلك جزئيًا إلى تهجين أعطى الأولوية للإنتاجية على حساب القيمة الغذائية. ويبلغ متوسط تركيز ثاني أكسيد الكربون عالميًا أكثر من 420 جزءًا في المليون، مقابل 280 قبل الثورة الصناعية، ومن المتوقع أن يصل إلى 550 جزءًا على الأقل بحلول نهاية القرن في معظم السيناريوهات.
وأظهرت دراسة عام 2018 أن ذلك قد يعني معاناة 175 مليون شخص إضافي من نقص الزنك و122 مليونًا من نقص البروتين بحلول 2050. ويؤثر نقص الزنك في المناعة والجلد ونمو الأطفال، بينما قد يسبب نقص البروتين توقف النمو والتعب وضعف العضلات وكسور الإجهاد.
الجفاف والحرارة يهددان المحاصيل
قد يؤدي ارتفاع مستوى سطح البحر إلى غمر الأراضي الزراعية وزيادة ملوحة التربة، خصوصًا في المناطق الساحلية التي تنتشر فيها زراعة الأرز، وقد تجعل الملوحة الزراعة مستحيلة في بعض المناطق. كما يمكن للجفاف وموجات الحر والعواصف والتقلبات الحادة في درجات الحرارة أن تقضي على محاصيل، فتؤدي إلى نقص المعروض وارتفاع الأسعار. وفي الولايات المتحدة، قد تشبه النتائج أزمة البيض المرتبطة بإنفلونزا الطيور: رفوف فارغة مؤقتًا، وارتفاعات حادة في الأسعار، وربما قيود على المشتريات. كما قد يؤدي تضرر الملقحات وانتشار مسببات الأمراض النباتية، مثل الفطريات، إلى انخفاض غلة المحاصيل.
تواجه المناطق المعتمدة على المحيطات تحديات بسبب تحمضها وتدهور الشعاب المرجانية، التي تمثل مصدرًا غذائيًا لمجتمعات ساحلية وقاعدة مهمة للسلاسل الغذائية البحرية. وقال كريستوفر جولدن، أستاذ التغذية والصحة العامة في كلية هارفارد تي إتش تشان للصحة العامة، إن ارتفاع حرارة البحر وزيادة الترسيب قد يؤديان إلى تكاثر الطحالب الضارة وزيادة التسمم الغذائي نتيجة فساد الطعام.
وقد تلوث الطحالب المحار، مثل بلح البحر والإسكالوب، بسموم عصبية قد تسبب المرض أو الوفاة. ويمثل فساد الطعام مصدر قلق في مدغشقر، حيث تُنقل المصيدات إلى الشاطئ وتُجهز للاستهلاك في الهواء الطلق. وقد تهاجر الأسماك نحو القطبين هربًا من ارتفاع حرارة البحر، ما يخفض أعدادها في مناطق مثل جنوب شرق آسيا والكاريبي وأفريقيا وأمريكا الوسطى والمحيط الهادئ.
وفي حال عدم اتخاذ إجراءات للتخفيف من تغير المناخ، قد ينخفض صيد الأسماك بنسبة 58% إلى 92% قبالة الجزر الصغيرة في المحيط الهادئ، و70% إلى 86% في جنوب شرق آسيا، ما يفاقم انعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية. كما تتأثر الولايات المتحدة، إذ تستورد معظم مأكولاتها البحرية من مياه شبه استوائية أو استوائية في مناطق أخرى.
يشبه تغير المناخ "موجة بطيئة الحركة"؛ فتأثيراته تتراكم تدريجيًا، وقد تختلف الأطعمة التي يأكلها الإنسان اليوم عما ستأكله الأجيال المقبلة. وقال جولدن إن تغيرات التجارة قد تخفف التأثير على المستهلكين الأمريكيين، لكن من الصعب التنبؤ بها. وقد تشمل النتائج تغير الأسعار وأنماط الاستهلاك، أو زيادة الاعتماد على الأغذية المعمرة والمعالجة بشكل مكثف، بما قد يعني تراجع استهلاك الأسماك الطازجة مثل النهاش، مقابل زيادة اللحوم المعلبة.
تغير الأطعمة على المائدة
بدأ المنتجون بالفعل في التكيف، وقد لا يلاحظ المستهلكون هذه التغيرات سريعًا. وقالت إليزابيث وولكوفيتش، أستاذة علم الغابات في جامعة كولومبيا البريطانية، إن التفاحة التي نأكلها اليوم قد لا تكون هي نفسها التي سيأكلها أحفادنا. وسيواجه مزارعو التفاح في شمال غرب المحيط الهادئ وشمال شرق الولايات المتحدة تحديات متزايدة؛ فقلة الأيام الباردة وزيادة الحر الشديد قد تخفض الإنتاجية عبر التأثير في دخول الأشجار مرحلة السكون والإزهار. ولأن تأسيس أشجار مثمرة في مناطق جديدة يستغرق خمس سنوات أو أكثر، فقد ينخفض المعروض وترتفع الأسعار.













