نجح فريق من العلماء في إثبات إمكانية جمع مواد خلوية من مخطوطات الرقاق التاريخية دون إلحاق أي ضرر ببنيتها الفيزيائية.
وتمثل هذه الخطوة طفرة علمية تتيح إجراء التحليل الجيني على وثائق يصل عمرها إلى 1,300 عام، مما يفتح الباب أمام الكشف عن تفاصيل غير مسبوقة تتعلق بطرق التجارة القديمة والممارسات الزراعية، فضلاً عن تحديد فصائل الحيوانات التي استُخدمت جلودها في صناعة تلك المخطوطات.
ويعد الرقاق، المستخلص أساسًا من جلود الحيوانات، مستودعًا تاريخيًا استمر استخدامه لآلاف السنين في أوروبا والشرق الأوسط، وأجزاء من إفريقيا، لتدوين شتى السجلات الرسمية مثل النصوص القانونية والخرائط.
الأهمية التاريخية والوراثية
وفي تعليق له على هذا الإنجاز، أوضح البروفيسور تيم ستينسون، المؤلف المسؤول عن البحث، أن الطبيعة الحيوانية للرقاق تجعل استخراج المعلومات الجينية منه أمرًا ممكنًا؛ وهذه البيانات الوراثية توفر بدورها نافذة فريدة على الماضي تجيب بدقة عن أسئلة محورية مثل زمن ومكان صنع المخطوطة.
ويعطي الاستخدام الطويل للرقاق وتدوينه لمعلومات تاريخية مفصلة أهمية مضاعفة للحمض النووي المخفي فيه؛ إذ يمكنه تسليط الضوء على تطور الأنواع الحيوانية المستأنسة في المزارع ومسار تطور السلالات عبر الزمن، بالإضافة إلى رصد أمراض الماشية التاريخية.
وأكد باحثون أن القيمة الكبرى لهذه الورقة البحثية تكمن في حل المعضلة التي واجهت هذا المجال الناشئ، حيث كان التخوف من إتلاف القطع الأثرية ذات القيمة الثقافية يمنع الوصول إلى الرقاق التاريخي، وجاء هذا العمل ليثبت إمكانية جمع العينات دون إيذاء الرقاق، وهو ما يعد خطوة كبيرة إلى الأمام لحماية المخطوطات الهشة.
آلية العمل
ولتطبيق هذه التقنية عمليًا، أجرى العلماء دراسة شملت جمع عينات خلوية بأسلوب غير إتلافي من 91 مخطوطة محفوظة في مكتبة "روبنشتاين" بجامعة دوك، تمتد أصولها الجغرافية من إنجلترا إلى إثيوبيا ويعود تاريخ كتابتها إلى الفترة ما بين أواخر القرن الـ8 وأوائل القرن الـ20.
تعتمد التقنية على فرك الرقاق برفق شديد باستخدام "الفرشاة الخلوية"، وهي ذاتها الأداة الطبية المستخدمة في اختبارات مسحة عنق الرحم.
وتستخدم هذه الفراشي وهي جافة تماماً، وتمتاز بكفاءة عالية في حصد المواد الخلوية دون المساس بسلامة أو تماسك القطعة الأثرية المستهدفة.
تكتمل العملية المخبرية بعد جمع المواد من الفراشي، حيث يقوم العلماء باستخراج الخلايا ثم توظيف أدوات "تسلسل الجيل القادم" ذات المعايير الجنائية الدقيقة لاستعادة المتتاليات الجينية وتضخيمها.
ووصف ستينسون هذه العملية بأنها تسخير لأحدث التقنيات التحليلية بهدف استقاء معلومات تجريبية جديدة حول الممارسات التاريخية، والثقافية والزراعية للبشرية.
وينظر الفريق البحثي بتفاؤل كبير إلى المستقبل؛ إذ يروا أن القدرة على استخراج هذا الكم الهائل من المعلومات دون إلحاق ضرر بالوثائق ستساهم في بناء جسور الثقة مع المنظمات والمؤسسات الدولية المعنية بالتحفيظ التاريخي.
كما يؤكد البروفيسور ستينسون تطلع الفريق لتأمين التمويل اللازم لمواصلة هذا العمل الريادي واستكشاف الإمكانات الهائلة لهذا المصدر الوفير وغير المستغل.
وأشار الفريق إلى حجم الفرصة الاستثنائية التي يتيحها هذا التطور، معتبرين إياه تأسيسًا لمجال علمي جديد بالكامل، يصنع تكاملاً حقيقيًا وتداخلاً فريدًا بين خبرات وتخصصات متنوعة تجمع بين علم الجينات الحديث وتاريخ العصور الوسطى.












