شهدت الآونة الأخيرة اهتمامًا بحثيًا متزايدًا حول التأثيرات الخفية والمستمرة للمواد الكيميائية البلاستيكية على صحة الإنسان.
حيث كشفت دراسة حديثة أن التعرض لمادة كيميائية بلاستيكية شائعة قبل الولادة وفي المراحل المبكرة بعدها قد يعيد برمجة الدماغ النامي بهدوء، مما يؤدي إلى زيادة مستويات القلق وتغيرات سلوكية تدوم طويلاً بعد انتهاء فترة التعرض لها.
وتتمحور هذه التطورات حول مادة "دي-(2-إيثيل هكسيل) فثالات" المعروفة اختصارًا بـ "DEHP"، وهي مادة ملدنة واسعة الاستخدام عالميًا تضاف إلى المنتجات لتعزيز مرونتها وتدخل في صناعة نطاق عريض من المستلزمات اليومية مثل الأجهزة الطبية ولعب الأطفال وستائر الاستحمام ومعاطف المطر.
ورغم أن الأبحاث السابقة وثقت بالفعل قدرة هذه المادة والمركبات الناتجة عن تحللها على التأثير في الأجهزة العضوية للبشر والحيوانات، لا سيما الجهازين التناسلي والعصبي، إلا أن باحثين آخرين سعوا إلى تعميق الفهم حول مدى تأثيرها على السلوك المرتبط بالقلق واستكشاف الدور المحتمل للناقل العصبي المسؤول عن الهدوء والمعروف بحمض غاما-أمينوبوتيريك "GABA" وهرمون التستوستيرون في هذه الآلية.
الاختبار السلوكي
ولتحقيق هذه الغاية، اعتمد المنهج التجريبي للدراسة على تقديم جرعات فموية يومية من مادة "DEHP" لإناث الجرذان الحوامل بدءًا من اليوم الأول للحمل وحتى فطام صغارها، وعندما وصل النسل من الذكور سن البلوغ، عند عمر 70 يومًا، خضعت الحيوانات لاختبار سلوكي دقيق لتقييم مستويات القلق يُعرف باسم "متاهة الارتفاع الإيجابية" .
وهو اختبار يستغل الميل الفطري للقوارض لتجنب المرتفعات والمناطق المكشوفة عبر مصفوفة على شكل علامة زائد تتألف من ذراعين مفتوحين وآخرين مغلقين؛ حيث رصد الباحثون بدقة معدلات دخول الجرذان إلى كل نوع من الأذرع والمدة الزمنية التي قضتها فيها، بالإضافة إلى قياس فترات بقائها بلا حراك أو ما يعرف بـ "وقت التجمد".
وأسفرت نتائج الاختبار عن تباين سلوكي واضح، حيث أظهرت الجرذان التي تعرضت لمادة "DEHP" فقط مؤشرات قوية على ارتفاع مستويات القلق، تمثلت في قضاء وقت أقل في استكشاف الأذرع المفتوحة والمكث لفترات أطول داخل الأذرع المغلقة، مع تسجيل معدلات أعلى لسلوك التجمد.
آلية عكس التأثير
في المقابل، نجحت التدخلات العلاجية في إظهار نمط معاكس تمامًا؛ إذ جرى حقن مجموعة من الحيوانات بـ "منشطات GABA" قبل الاختبار بـ90 دقيقة لتنشيط مستقبلاتها، بينما عولجت مجموعة أخرى بهرمون التستوستيرون كل 48 ساعة على مدار 14 يومًا سبقت الاختبار، ما أدى إلى إبطال التأثيرات السلوكية السلبية المرتبطة بالتعرض المبكر للمادة البلاستيكية.
وفي تعقيب على هذه النتائج، أكد الدكتور أوزفالدو خوان بونزو، أستاذ علم وظائف الأعضاء في جامعة بوينس آيرس، أن هذا العمل يثبت بوضوح أن التلامس مع مادة "DEHP" في المراحل الجنينية والمبكرة من الحياة يمتلك القدرة على تعديل السلوك المرتبط بالقلق بمرور الوقت، حتى في غياب أي تعرض للمادة خلال مرحلة البلوغ،.
مشيرًا في الوقت ذاته إلى إمكانية عكس هذه التغيرات الهرمونية العصبية من خلال العلاج الهرموني أو بمشتقات GABA.
وبناءً على ذلك، ورغم إجراء الدراسة على القوارض، فإن الخلاصة تشير إلى احتمالية تسبب المواد الكيميائية المسببة لاضطرابات الغدد الصماء في تغيرات سلوكية ونفسية مماثلة وطويلة الأمد لدى البشر.














