طوال عقود طويلة، ارتبط الذكاء الخارق في المخيلة الشعبية بكبر حجم الدماغ، غير أن التاريخ يعكس شيئًا غير ذلك، ففي موقع «كاتالهويوك» بتركيا الحالية، وتحت التراب، يرقد هيكلان عظميان بشريان يعود تاريخهما إلى نحو 8 آلاف عام، لتخبرنا وغيرها من الجماجم القديمة المكتشفة حول العالم بقصة تطور غريبة، تتحدى ما نعتقده عن أنفسنا.
فبينما نتخيل أن أدمغتنا تكبر مع تطورنا، تشير الدراسات المستمرة منذ عقدين من الزمن إلى حقيقة تتمثل في أن أدمغتنا تتقلص وتصغر بمرور الزمن، وذلك في مفارقة عجيبة مع الأدلة التي تؤكد ارتفاع درجات الذكاء البشري خلال القرن الماضي، مما يضعنا أمام لغز علمي عن كيفية ازديادنا ذكاءً بينما تضمر أدمغتنا.
ويوضح جيريمي ديسيلفا، أستاذ الأنثروبولوجيا في كلية دارتموث، أن حجم الدماغ «يرتبط بشكل ضعيف فقط بمقاييس الذكاء لدى البشر»، مضيفًا أن دماغ ألبرت أينشتاين، على سبيل المثال، «كان صغيرًا جدًا وكان هو أينشتاين».
أدلة من الماضي
يتفق العديد من الخبراء على وجود أدلة واضحة تثبت انكماش الأدمغة البشرية عبر الزمن، حيث يقول ماسيج هينيبيرج، الأستاذ الفخري للأنثروبولوجيا والتشريح المقارن في جامعة أديلايد الأسترالية، في رسالة بالبريد الإلكتروني، ينقلها موقع «Science»، إن «أبحاثي تشير إلى أن حجم الدماغ البشري انخفض خلال حقبة الهولوسين بنحو 10 % من حجمه، أو حوالي 150 ملليلتر في المتوسط».
وتمتد هذه الحقبة من نهاية العصر الجليدي الأخير قبل 11700 عام حتى يومنا هذا، وبما أن الإنسان العاقل ظهر قبل 300 ألف عام، فإن هذا الانكماش يعد تطورًا حديثًا نسبيًا.
ومما يدعم هذا الطرح، أبحاث ديسيلفا التي شملت أكثر من 5000 جمجمة من قارات متعددة لتؤكد هذا الاتجاه العالمي، كما يضيف جيف ستيبل، الباحث في علوم الدماغ، الذي درس 800 جمجمة إضافية، أن فترة احترار الهولوسين تزامنت مع هذا الانخفاض الملحوظ.
ورغم توفر هذه البيانات، يرفض بعض العلماء فكرة الانكماش الحتمي، إذ يرى بريان فيلموار، الأستاذ المشارك في الأنثروبولوجيا بجامعة نيفادا، أنه لا يرى أي دليل على أن أدمغتنا قد تغيرت بأي طريقة ذات مغزى بمجرد اكتسابنا لشكلنا الحديث.
ومن جهة أخرى، يطرح جون هوكس، أستاذ الأنثروبولوجيا بجامعة ويسكونسن ماديسون، رؤية أكثر تعقيدًا، محذرًا من أن بيانات حجم الدماغ تميل إلى المبالغة في تمثيل الرجال من أصول أوروبية، مما يصعب تحديد اتجاه عالمي شامل، ويضيف أن حجم الدماغ «انتعش نحو أحجام أكبر خلال الـ 150 عامًا الماضية في البلدان الصناعية»، مرجعًا ذلك بشكل أساسي إلى تحسن التغذية وارتباطه بحجم الجسم.
تأثير الزراعة والمناخ والذكاء الجماعي
وأمام هذه الآراء المتباينة، تتعدد التفسيرات وراء هذا الانكماش المحتمل، إذ يربط هينيبيرج هذا التحول بظهور الزراعة التي قللت الحاجة إلى القوة البدنية الهائلة اللازمة للصيد، مما أدى إلى تقلص حجم الأجسام والأدمغة معًا، حيث يتطلب الجسم الأصغر طاقة أقل.
وإلى جانب ذلك، يلعب التغير المناخي دورًا إضافيًا، حيث تتجه الأجسام والأعضاء لتصبح أكثر نحافة في المناخات الدافئة لتبديد الحرارة.
غير أن التفسير الأكثر إثارة للدهشة يرتبط بطبيعة ذكائنا الاجتماعي، فقد أشار ديسيلفا إلى أن الزيادة السكانية وتقسيم الأدوار وتنامي الذكاء الجماعي، ربما ساهمت في تقلص حجم الدماغ الفردي في نموذج يشبه مستعمرات الحشرات الاجتماعية مثل النمل والدبابير.
وتأكيدًا على ذلك، يقول ستيبل «يبدو أننا فعلنا شيئًا مشابهًا بشكل ملحوظ مع الثقافة والتكنولوجيا»، مضيفًا «تشير أبحاثنا إلى أننا خضعنا لتحول أساسي في كيفية عمل الإدراك بدلاً من الاعتماد فقط على قوة الدماغ الفردية أصبحنا معتمدين بشكل غير عادي على الشبكات الثقافية والتكنولوجية».
وفي نهاية المطاف، تستهلك الأدمغة الكبيرة طاقة هائلة تقارب 20 % من طاقة الجسم وقت الراحة، مما يجعلها عبئًا في أوقات ندرة الغذاء، ولهذا لا يعني صغر حجم أدمغتنا أننا أصبحنا أقل ذكاءً، وإنما يشير إلى أن طبيعة إدراكنا قد تغيرت جذريًا. ويختتم ستيبل المشهد بتأمل عميق، قائلاً «من المحتمل أننا قايضنا بعض القدرات الحسابية الخام بالقدرة على الاستفادة من الذكاء الجماعي»، تاركًا الباب مفتوحًا أمام تساؤل مصيري حول مدى استقرار النظم الثقافية والتكنولوجية التي أصبح بقاؤنا وذكاؤنا يعتمد عليها بشكل كلي في المستقبل.














