عندما غادر القائد "جين سيرنان"، آمر مهمة "أبولو 17"، سطح القمر في 14 ديسمبر 1972، ترك كلمات مؤثرة قال فيها: "نغادر كما جئنا، وإن شاء الله، سنعود بسلام وأمل لكل البشرية".
لم يكن سيرنان يتخيل أن كلماته ستظل، لأكثر من 50 عامًا، هي آخر ما نطقت به حنجرة بشرية على جار الأرض.
ومع استعداد ناسا لإطلاق مهمة "أرتميس 2" في مارس القادم كأقرب تقدير والتي ستكتفي بالتحليق حول القمر دون الهبوط- يبرز السؤال الملح: لماذا استغرق الأمر كل هذا الوقت؟
الإرادة السياسية
تقول تيسل موير-هارموني، أمينة مجموعة أبولو في متحف الطيران والفضاء الوطني بواشنطن: "الإجابة المختصرة هي الإرادة السياسية. إرسال البشر إلى القمر يتطلب استثمارات وطنية كبرى ومستدامة، وهو ما اصطدم بتغير الإدارات الرئاسية وأولوياتها".
من جانبه، يوضح "ليس جونسون"، كبير التقنيين السابق في ناسا، أن أهداف الرحلات المأهولة كانت تتغير جذريًا كل 4 إلى 8 سنوات.
- عام 1990: جورج بوش الأب أمر بالعودة للقمر.
- عام 1993: بيل كلينتون ألغى القرار وركز على المحطة الفضائية.
- عام 2001: جورج بوش الابن أطلق مشروع "كونستيليشن" للعودة للقمر.
- عهد أوباما: تحولت الأولويات نحو الكويكبات.
- عهد ترامب: عاد التركيز للقمر، وهو ما استمر عليه جو بايدن بشكل استثنائي، وصولًا إلى ولاية ترامب الثانية الحالية التي تسعى للتفوق على الصين.
تحديات تقنية وتكاليف باهظة
رغم التقدم التقني، يظل القمر -الذي يبعد 400 ألف كيلومتر- تحديًا هائلًا؛ إذ إن أكثر من 50% من محاولات الهبوط على سطحه انتهت بالفشل. برنامج "أرتميس" الحالي هو نتاج عمل استمر عقدين، وبتكلفة تجاوزت 50 مليار دولار.
الفوارق التقنية بين "أبولو" و"أرتميس"
لا يمكن ببساطة "إعادة تصنيع" معدات أبولو، فقد اختفت سلاسل التوريد والمهارات القديمة. واليوم، تعد الفوارق التقنية شاسعة.
- قوة الحوسبة: حواسيب الطيران في كبسولة "أوريون" أسرع بـ 20,000 مرة وتمتلك ذاكرة أكبر بـ 128,000 مرة من حاسوب أبولو الوحيد.
- المساحة والطاقم: زاد عدد الطاقم من 3 إلى 4 رواد، مع مساحة معيشية أكبر بنسبة الثلث.
- الخصوصية والحمام: في عصر أبولو، كان الرواد يستخدمون "أكياسًا بلاستيكية" لجمع الفضلات، بينما تمتلك أوريون "مقصورة حمام" توفر الخصوصية، وهو أمر ضروري خاصة مع وجود طواقم مختلطة من الرجال والنساء.
- التنوع البشري
يشير التقرير إلى أن قضية "الحمام" كانت إحدى الحجج التي استخدمت قديمًا لعدم إرسال النساء للفضاء.
ورغم أن البرنامج السوفيتي أرسل أول امرأة للفضاء قبل الولايات المتحدة بـ 20 عامًا، إلا أن ناسا تداركت ذلك الآن. وفيما يخص التنوع، أشار الدكتور ألبرت في دراسة مرتبطة بأن تجربة "ACTIVE" -التي تزامنت مع أبحاث الفضاء- كانت تمثيلية جدًا حيث شكلت الأقليات 25% من المشاركين، وهو التوجه الذي تتبناه ناسا الآن لضمان أن يكون "أرتميس" برنامجًا يمثل "كامل سكان الولايات المتحدة".
من "البصمات" إلى "البناء المستدام"
الهدف الآن ليس مجرد وضع علم وترك بصمة، بل بناء بنية تحتية دائمة.
يقول "ليس جونسون": "مركبات الهبوط الجديدة مصممة للبقاء لأكثر من يوم، لتكون جزءًا من نظام يضم مساكن على القمر".
ويساعد في ذلك بزوغ قطاع الفضاء التجاري (SpaceX وBoeing وBlue Origin). وقد أعلن إيلون ماسك مؤخرًا تحولًا دراميًا في استراتيجية "SpaceX" للتركيز على بناء "مدينة تنمو ذاتيًا على القمر" قبل التوجه للمريخ.
الضغوط الجيوسياسية
كانت الحرب الباردة هي المحرك لأبولو لهزيمة الاتحاد السوفيتي. اليوم، تعتبر الولايات المتحدة الصين منافسها اللدود.
وبينما انضمت أكثر من 60 دولة إلى "اتفاقيات أرتميس" التي تقودها واشنطن، تسعى الصين جاهدة لإرسال روادها بحلول عام 2030، وهي ليست طرفًا في تلك الاتفاقيات.
يختم التقرير بكلمات "جون يونغ"، قائد مهمة أبولو 16، الذي قال عند سؤاله عن جدوى إنفاق الأموال على القمر: "تاريخ الأرض الجيولوجي واضح تمامًا: الأنواع التي تعيش على كوكب واحد فقط لا تدوم".













