في الوقت الذي تكثف فيه الولايات المتحدة ضغوطها على المحكمة الجنائية الدولية، عبر فرض عقوبات على اثنين آخرين من كبار موظفيها خلال الأسابيع الأخيرة، أعلنت مجموعة صغيرة لكنها متزايدة من الدول الأعضاء عزمها الانسحاب من المحكمة.

وبحسب تقرير نشرته وكالة أسوشيتد برس، فإن انضمام فنزويلا وتشاد مؤخرا يرفع عدد الدول التي أعلنت انسحابها من المحكمة الجنائية الدولية خلال العام الماضي إلى 5 دول، لتنضما إلى بوركينا فاسو ومالي والنيجر. ويأتي تزايد حالات الانسحاب في وقت تواجه فيه المحكمة الجنائية الدولية عداء من واشنطن، إلى جانب أزمة في القيادة بعد إقالة المدعي العام الرئيسي.

وقال متحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية لوكالة أسوشيتد برس: "أعلنت خمس دول حتى الآن عن خطط للانسحاب من نظام روما الأساسي، ونحن نرحب بمزيد من الإعلانات في المستقبل".

وأُنشئت المحكمة الجنائية الدولية بموجب نظام روما الأساسي عام 2002، لتكون الملاذ الأخير لمحاكمة الأشخاص المسؤولين عن أبشع الجرائم في العالم، ومنها جرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية، والإبادة الجماعية، وجريمة العدوان. وتتخذ المحكمة من لاهاي مقرا لها، وتتولى القضايا التي تعجز فيها الدول أو تمتنع عن محاكمة مرتكبي الجرائم على أراضيها.

وقالت المتحدثة باسم المحكمة الجنائية الدولية، أوريان ماييه، لوكالة أسوشيتد برس: "تأسف المحكمة الجنائية الدولية لأي قرار بالخروج عن الجهد الجماعي لإنهاء الإفلات من العقاب على أخطر الجرائم الدولية".

أمريكا تزيد الضغط على المحكمة

في يوليو، أعلن وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو أن الولايات المتحدة ستطلق "حملة شاملة لتفكيك التهديد الذي تشكله المحكمة الجنائية الدولية على سيادة الولايات المتحدة". وقال روبيو إنه سيضغط على الدول الأعضاء الـ125 في المحكمة الجنائية الدولية للانسحاب منها، كما سيفرض عقوبات على المنظمات التي تتعاون معها، ويمنع موظفيها من السفر إلى الولايات المتحدة.

وكانت إدارة ترامب قد فرضت بالفعل عقوبات على 12 موظفا في المحكمة الجنائية الدولية، ردا على مذكرات التوقيف التي أصدرتها المحكمة بحق مسؤولين إسرائيليين رفيعي المستوى على خلفية الحرب في غزة، والتحقيقات المتعلقة بالجنود الأمريكيين في أفغانستان. وأشارت تشاد، الواقعة في وسط أفريقيا، تحديدا إلى الولايات المتحدة في قرارها بالانسحاب من المحكمة.

وقال وزير خارجيتها، عبد الله صبري فضل، في بيان، إنه خلال مكالمة هاتفية مع مسؤول أمريكي في 23 يوليو، "أعرب الجانب الأمريكي عن مخاوفه بشأن آلية عمل هذه المؤسسة، وطلب من تشاد إعادة النظر" في عضويتها. وبعد 4 أيام، أعلنت تشاد أنها ستنسحب من المحكمة الجنائية الدولية.

وقالت إيفا فوكوسيتش، الباحثة في جامعة أوتريخت، لوكالة أسوشيتد برس، إن الحملة الأمريكية ستكشف مدى التزام الدول بالمحكمة، متسائلة: "هل هم مستعدون للدفاع عنها إذا كلفهم ذلك ثمنا باهظا؟". كما صرحت وزارة الخارجية الأمريكية لوكالة أسوشيتد برس بأن الولايات المتحدة ستدعو الدول التي "تتمتع بمزايا المظلة الأمنية الأمريكية" إلى رفض المحكمة الجنائية الدولية.

اتهامات بالعدالة الانتقائية

لكن الضغوط الأمريكية ليست العامل الوحيد الذي يدفع أعضاء المحكمة الجنائية الدولية نحو الانسحاب. وألقت المجالس العسكرية الحاكمة في مالي وبوركينا فاسو والنيجر باللوم على الانتقائية في تطبيق العدالة. وقالت الدول الثلاث، عند إعلان انسحابها العام الماضي، إن المحكمة الجنائية الدولية أصبحت "أداة قمع استعماري جديد في أيدي الإمبريالية".

وفي النيجر، أطاح انقلاب عسكري بالحكومة المنتخبة ديمقراطيا عام 2023. ومنذ ذلك الحين، تخلى المجلس العسكري الحاكم عن حلفائه القدامى وشكل تحالفات جديدة، من بينها تحالفات مع روسيا، حيث يواجه الرئيس فلاديمير بوتين مذكرة توقيف من المحكمة الجنائية الدولية على خلفية الحرب في أوكرانيا. وشهدت مالي وبوركينا فاسو تحولات مماثلة.

وقال ميل أوبراين، الأستاذ المشارك في القانون الدولي بجامعة غرب أستراليا، لوكالة أسوشيتد برس: "هذه الدول يحكمها قادة استبداديون يريدون تجنب المساءلة عن الأضرار التي يلحقونها بشعوبهم". وبالمثل، اتهمت بوروندي المحكمة بالتركيز المفرط على النزاعات في أفريقيا، عندما أصبحت في عام 2017 أول دولة تنسحب من المحكمة الجنائية الدولية، وكانت المحكمة قد فتحت تحقيقا مع الدولة الواقعة في شرق أفريقيا في وقت سابق من ذلك العام.

وتركزت معظم التحقيقات الأولية للمحكمة على دول أفريقية، رغم أن معظمها طلب تدخل المحكمة الجنائية الدولية. كما أعلنت جنوب أفريقيا وغامبيا في عام 2017 أنهما ستنسحبان من المحكمة، لكنهما غيرتا موقفهما لاحقا. وقد يؤدي تغيير الحكومة أيضا إلى إعادة دولة إلى المحكمة. وكانت المجر قد أعلنت أنها ستنسحب من المحكمة في عام 2025، لكن بعد انتخاب حكومة جديدة، صوت برلمان البلاد لصالح البقاء.

الجرائم السابقة تظل ضمن اختصاص المحكمة

أجرت المحكمة الجنائية الدولية تحقيقا نشطا في الفلبين عندما أعلن الرئيس آنذاك رودريغو دوتيرتي أن بلاده ستنسحب من المحكمة. وفي عام 2019، أصبحت الفلبين ثاني دولة تنسحب من المحكمة، لكن نظرا لأن الانسحاب لا يسري بأثر رجعي، استمر التحقيق.

ويخضع دوتيرتي حاليا للاحتجاز لدى المحكمة الجنائية الدولية في هولندا، بانتظار محاكمته بتهم ارتكاب جرائم ضد الإنسانية بسبب حملات مكافحة المخدرات الدموية التي يُزعم أنه أشرف عليها أثناء توليه منصبه. ومن المقرر أن تبدأ المرافعات الافتتاحية في نوفمبر.

كما سيستمر التحقيق في الجرائم المحتملة التي ارتكبتها قوات الأمن الفنزويلية في عهد الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو، رغم إعلان البلاد الشهر الماضي أنها ستنسحب أيضا من المحكمة الجنائية الدولية.

وقال وزير خارجية البلاد، فيليكس بلاسينسيا، في بيان، إن المحكمة "تم استخدامها كأداة لتعميق أوجه عدم المساواة بين الشعوب وتجاهل حقهم في تقرير المصير والسيادة". وتشهد فنزويلا حاليا محادثات مدعومة من الولايات المتحدة بين الحزب الحاكم والمعارضة، في أعقاب اعتقال مادورو في يناير على يد القوات الأمريكية.

أوكرانيا تنضم إلى المحكمة

وفي مقابل الدول التي أعلنت انسحابها، رحبت المحكمة الجنائية الدولية بأعضاء جدد. وتعد أوكرانيا أحدث دولة تنضم إلى المحكمة، إذ انضمت إليها في عام 2025، وكانت قد وقعت سابقا اتفاقية تمنح المحكمة اختصاصا قضائيا على الجرائم التي ترتكب على أراضيها، وذلك في أعقاب اندلاع الأعمال العدائية مع روسيا في عام 2014.

وقال سفير أوكرانيا لدى هولندا، أندريه كوستين، لوكالة أسوشيتد برس، إن انضمام أوكرانيا إلى المحكمة كان "طريقة أوكرانيا للقول بأن المساءلة عن أخطر الجرائم لا يمكن أن تكون اختيارية، وأننا نعتزم المساعدة في بناء نظام العدالة هذا".