تتجه الحكومة البريطانية إلى فتح حوار مع الدول والمجتمعات المتضررة من دور بريطانيا في تجارة الرقيق عبر الأطلسي، تمهيدًا لصياغة اعتذار رسمي عن تلك المرحلة. ومن المقرر أن يطلق رئيس الوزراء آندي بورنهام، هذا الحوار خلال قمة قادة دول الكومنولث في أنتيغوا وبربودا، بمشاركة الدول والمجتمعات التي تضررت من هذه التجارة.
وبحسب صحيفة The Guardian، تستبعد الحكومة البريطانية تقديم تعويضات مالية، فيما يُنتظر أن يطرح بورنهام مسارًا لإعادة هيكلة ديون بعض دول الكومنولث التي تواجه تكاليف اقتراض مرتفعة. ويعيد هذا التحرك تسليط الضوء على تاريخ طويل شاركت فيه بريطانيا بدور رئيسي في تجارة البشر، وامتدت آثاره من سواحل أفريقيا إلى مدن بريطانية لا تزال معالمها وشوارعها تحمل آثار تلك الحقبة.
بداية التورط البريطاني في تجارة الرقيق
بدأ انخراط إنجلترا في تجارة الرقيق خلال ستينيات القرن السادس عشر، بعدما كانت دول أوروبية أخرى قد سبقتها إلى هذا النشاط الذي اعتمد على استغلال العمل القسري للأفارقة في بناء إمبراطورياتها عبر المحيط الأطلسي.
كانت السفن البريطانية تغادر موانئ لندن وليفربول وبريستول محملة بالبضائع، وتتجه إلى الساحل الغربي لأفريقيا. وهناك، كان القائمون على الرحلات يتبادلون سلعًا مثل الأقمشة والخرز مقابل رجال ونساء وأطفال أفارقة، يُنتزعون من أوطانهم ويُجبرون على ركوب السفن المتجهة إلى الكاريبي والأمريكتين.
لم يكن هؤلاء الأشخاص يُعاملون باعتبارهم بشرًا لهم إرادة وحقوق وأسر، وإنما كأنهم ممتلكات يمكن شراؤها وبيعها ونقلها. وفي المجتمعات الاستعبادية في الكاريبي، سُنّت قوانين كرّست هذا الوضع، وجعلت مصير الأطفال مرتبطًا بحالة أمهاتهم؛ فإذا كانت الأم مستعبدة، وُلد الطفل ليواجه بدوره حياة العبودية.
وتكشف هذه القوانين عن طبيعة النظام الذي أُنشئ حول تجارة البشر؛ إذ لم يكن الاستعباد قرارًا يلاحق الفرد وحده، بل وضعًا يمكن أن ينتقل إلى أبنائه، فيحرم أجيالًا متعاقبة من الحرية منذ ولادتهم.
استعباد الأفارقة.. رحلة اللا عودة
أُدرج نقل الأفارقة المستعبدين ضمن شبكة تجارية عُرفت باسم «التجارة الثلاثية»، ربطت أوروبا وأفريقيا والأمريكتين. وكانت السفن تنقل البضائع من أوروبا إلى أفريقيا، ثم تعود عبر المحيط محملة بالأفارقة المستعبدين، قبل أن تنقل المنتجات التي أُجبروا على إنتاجها إلى الأسواق الأوروبية.
وتشير تقديرات أوردتها BBC إلى أن أكثر من 12 مليون أفريقي أُسروا وبيعوا في تجارة الرقيق. وبعد انتزاعهم من مجتمعاتهم، كانوا يُحشرون بأعداد كبيرة داخل السفن، في رحلة استمرت أشهرًا نحو الكاريبي أو أمريكا الشمالية والجنوبية، عُرفت باسم «الممر الأوسط».
كانت ظروف الرحلة بالغة القسوة، وكان الاكتظاظ وسوء الأوضاع المعيشية والصحية سببًا في وفاة كثيرين قبل بلوغ وجهتهم. أما الذين نجوا، فوجدوا أنفسهم أمام حياة أخرى من السخرة؛ إذ نُقلوا إلى معسكرات عمل عُرفت بالمزارع، وأُجبروا على إنتاج السكر والقطن والتبغ، غالبًا تحت التهديد والعنف. وكانت ظروف العمل قاسية إلى حد أن كثيرين فقدوا حياتهم خلالها.
ولم تنتهِ معاناة هؤلاء بوصولهم إلى اليابسة؛ فقد صاروا خاضعين لسلطة مالكيهم، يعملون في المزارع دون حرية اختيار أو قدرة على تقرير مصيرهم. وفي الوقت الذي كانت فيه السفن تعود محملة بالسكر والقطن والتبغ، كانت حياة أصحاب هذه المنتجات قد بُنيت على انتزاع حرية أناس وتحويل عملهم إلى مصدر للثروة.
ثروة خلفها الاستعباد
لم تقتصر الأرباح على تجار الرقيق الذين نظموا الرحلات البحرية؛ فقد استفاد من هذه التجارة ملاك السفن وشركات التأمين وأصحاب المزارع، إلى جانب التجار الذين تولوا بيع المنتجات المصنوعة بعمل المستعبدين. وهكذا امتدت المصالح الاقتصادية إلى قطاعات واسعة، وأسهمت الأموال المتأتية من الاستعباد في نمو الصناعة البريطانية وظهور مبانٍ ومؤسسات لا تزال قائمة حتى اليوم.
وتبرز مدن بريستول وليفربول وغلاسكو نماذج واضحة لهذا الارتباط، إذ تختلف أدوارها في التجارة، لكنها تشترك في أن جزءًا من ثروتها ومعالمها ارتبط باستغلال الأفارقة.
وكانت غلاسكو من أكثر المدن البريطانية ثراءً ونفوذًا خلال القرن الثامن عشر، وتركز دورها في ملكية المستعبدين، والاستثمار في المزارع، وبيع المنتجات التي صنعها الأفارقة المستعبدون، أكثر من مشاركتها المباشرة في نقلهم عبر المحيط. وأصبحت أكبر مستورد للتبغ في بريطانيا، فحقق تجارها ثروات كبيرة من هذه التجارة.
وتحمل شوارع وسط غلاسكو أسماء عدد من تجار التبغ، ومن بينها شارع جون غلاسفورد، التاجر ومالك المستعبدين الذي امتلكت عائلته عقارات عدة في المدينة. وتكشف لوحة عائلته التي رسمت في قصر شوفيلد عن تفصيل لافت؛ إذ يظهر في زاويتها العليا اليسرى فتى أسود مستعبد، اصطحبته العائلة معها إلى اسكتلندا.
ليفربول.. الميناء الذي تصدّر تجارة الرقيق
بحلول عام 1740، تجاوزت ليفربول بريستول ولندن، وأصبحت مركز تجارة الرقيق الأبرز في بريطانيا، متقدمة على موانئ أوروبا الأخرى. وارتبط ازدهارها أيضًا بصناعة القطن؛ إذ كان القطن الخام المنتج بعمل المستعبدين في الأمريكتين يُنقل إلى المصانع الشمالية القريبة من المدينة لتحويله إلى أقمشة.
كما ارتبطت عائلة رئيس الوزراء البريطاني الأسبق ويليام غلادستون بهذه التجارة. فقد كان والده السير جون غلادستون تاجرًا ومالكًا للمستعبدين والمزارع في غيانا البريطانية وجامايكا، وحقق ثروة كبيرة من ذلك. وعندما أُلغيت العبودية عام 1834، حصل على أكبر تعويض حكومي بين مالكي العبيد في جزر الهند الغربية، وفقًا للمصدر. واستفاد ابنه ويليام من ثروة العائلة، كما حاول تأخير إنهاء العبودية.
وكان لبريستول دور بارز في تجارة الرقيق عبر الأطلسي، وأصبحت في أواخر ثلاثينيات القرن الثامن عشر الميناء البريطاني الأبرز في هذا النشاط. وبين عامي 1698 و1807، موّل تجار المدينة أكثر من ألفي رحلة لنقل الرقيق، حملت نحو 500 ألف أفريقي من القارة إلى العمل القسري في الأمريكتين.
ومن أبرز الأسماء المرتبطة بهذه التجارة إدوارد كولستون، الذي عمل تاجرًا للرقيق في القرن السابع عشر، وكان مديرًا في شركة «Royal African». ونقلت الشركة نحو 80 ألف رجل وامرأة وطفل من أفريقيا إلى الكاريبي والأمريكتين، وحقق كولستون ثروة كبيرة من نشاطها.
أما الأفارقة الذين عاشوا تلك التجربة، وأبناؤهم وأحفادهم، فقد ظل تاريخهم حاضرًا في المدن التي ساهم عملهم القسري في تشكيلها. وتبقى المباني والشوارع والمؤسسات التي تحمل أسماء تجار ومالكي الرقيق شواهد على جانب من تاريخ بريطانيا، وعلى الثمن الإنساني الذي دفعه ملايين الأشخاص في سبيل ثروات لم تكن لهم.




