لم يحتج احتمال عودة بريطانيا إلى الاتحاد الأوروبي إلى إعلان رسمي أو برنامج انتخابي مفصل حتى يعود إلى واجهة النقاش السياسي.

عبارة واحدة قالها رئيس الوزراء البريطاني آندي برنهام في مؤتمر حزب العمال الحاكم كانت كافية لإعادة فتح ملف ظل التعامل معه بحذر منذ استفتاء 2016.

قال برنهام إن قرار مغادرة الاتحاد الأوروبي تسبب في «ضرر أكبر من المنفعة»، في موقف يتجاوز انتقاد طريقة تنفيذ بريكست إلى التشكيك في جدواه. ومع هذا الموقف، ابتعد عن القيود التي وضعها كير ستارمر أمام أي مراجعة جوهرية للعلاقة مع أوروبا.

ويأتي هذا التحول بينما تبحث الحكومة عن سبل لتعزيز النمو الاقتصادي، وبعد تعثر محاولات تحسين العلاقات مع بروكسل. وخلال الأسابيع الـ6 المقبلة، يعتزم برنهام قياس التأييد الشعبي قبل طرح الخيارات المتاحة للعلاقة طويلة الأمد مع أكبر أسواق المملكة المتحدة، ومنها العودة إلى الاتحاد الأوروبي.

خروج عن خطوط ستارمر الحمراء

كان ستارمر قد وضع في برنامج حزب العمال الانتخابي لعام 2024 خطوطًا حمراء هدفها طمأنة الناخبين المؤيدين لبريكست. واستبعد البرنامج العودة إلى السوق الموحدة والاتحاد الجمركي وحرية تنقل الأشخاص، ما ضيق هامش التحرك أمام الحكومة في علاقتها مع بروكسل.

أما برنهام، فلم يحدد بعد المسار الذي سيدافع عنه في الانتخابات المقبلة. وتضم الخيارات اتحادًا جمركيًا، أو العودة إلى السوق الموحدة على غرار النرويج، التي تلتزم بقواعد السوق من دون المشاركة الكاملة في صياغتها، وصولًا إلى استعادة العضوية الكاملة في الاتحاد الأوروبي.

ويضع جويل ريلاند، المحلل في مركز «المملكة المتحدة في عالم متغير»، هذا التحول في إطار مختلف عن مساعي تحسين اتفاق الخروج. وقال إن «هذه أول مرة يكون فيها سياسي بريطاني في موقع السلطة مستعدًا للوقوف علنًا والقول إن بريكست فشل، وإن علينا معالجة ذلك أو التراجع عنه بصورة جوهرية».

وكان ستارمر يتبنى نهجًا يقوم على الالتزام باتفاق بريكست الذي أبرمه بوريس جونسون عام 2019، مع محاولة تحسين نتائجه. أما برنهام فيشكك في قدرة الاتفاق على تحقيق الغاية المرجوة، ويفتح الباب أمام صيغة مختلفة للعلاقة مع الاتحاد الأوروبي.

لماذا قد تود المملكة المتحدة العودة للاتحاد الأوروبي؟

تستند الدعوة إلى مراجعة هذا المسار إلى تقديرات تشير إلى أن مغادرة السوق الموحدة ألحقت بالاقتصاد البريطاني أضرارًا تتراوح بين 6% و8% من الناتج المحلي الإجمالي.

ولم تتغير هذه التقديرات، لكن الجديد هو استعداد قيادة سياسية في السلطة للاعتراف علنًا بحجم الضرر وطرح مسار أكثر طموحًا لمعالجته. ويربط ريلاند هذا التوجه بخطط برنهام الداخلية الممتدة على 10 سنوات، ومنها إصلاح نظام الرعاية الاجتماعية.

ويتطلب تمويل هذه الخطط موارد إضافية، ما يجعل النمو الاقتصادي عنصرًا أساسيًا في النقاش حول مستقبل العلاقة مع أوروبا. ويرى ريلاند أن إحدى وسائل تحقيق النمو تتمثل في «إعادة الانضمام إلى أكبر شريك تجاري وأقربه».

ومع ذلك، تظل العودة إلى الاتحاد الأوروبي خيارًا سياسيًا قيد البحث، وليست قرارًا اتخذته الحكومة.

إعادة الضبط تواجه حدودها

محاولات ستارمر لتحسين العلاقات مع الاتحاد الأوروبي لم تحقق نتائج اقتصادية كبيرة حتى الآن. فقد تعثرت خطة «إعادة الضبط» التي أطلقها في مايو 2025 بسبب خلافات، من بينها الرسوم المفروضة على الطلاب الأوروبيين في بريطانيا، فيما ظل انعقاد قمة كانت مقررة مبدئيًا في 20 نوفمبر غير محسوم.

وزادت بروكسل القيود على هامش المناورة البريطاني عندما رفضت في مايو مقترحًا للدخول الانتقائي إلى سوق موحدة للسلع من دون حرية تنقل الأشخاص. وأظهرت هذه النتيجة محدودية قدرة لندن على الحصول على بعض مزايا السوق الموحدة من خارج الاتحاد.

وحتى مع تنفيذ خطة «إعادة الضبط» بالكامل، تشير تقديرات الحكومة البريطانية إلى أنها لن تضيف أكثر من 0.3% إلى الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2040. ويقارن هذا العائد المحدود بخيارات أوسع تشمل العودة إلى السوق الموحدة أو استعادة العضوية الكاملة.

رهان سياسي داخل حزب العمال وخارجه

يتزامن الجدل مع خسارة حزب العمال أصواتًا في يساره، خصوصًا لمصلحة حزب الخضر، ما قد يجعل تبني موقف أكثر انفتاحًا تجاه أوروبا رهانًا سياسيًا محتملًا.

وتشير استطلاعات حديثة، وفق تقارير صحفية في مطلع الأسبوع، إلى أن قرابة نصف البريطانيين يوافقون بالفعل على تفضيل برنهام العودة إلى الاتحاد الأوروبي.

ولم يستقبل خصومه طرحه بحماسة واضحة، باستثناء نايجل فاراج الذي أبدى ابتهاجًا بالموقف. ولا يعني ذلك بالضرورة أن المحافظين سيتبنون موقف فاراج، إذ تشير المعطيات إلى أن أغلبية الناخبين ترى أن بريكست جعلها أسوأ حالًا من الناحية الاقتصادية.

ولم يحدد برنهام حتى الآن الخيار الذي سيدافع عنه في الانتخابات المقبلة، فيما أصبحت العودة الكاملة إلى الاتحاد الأوروبي واحدة من البدائل المطروحة بعد سنوات كان خلالها التشكيك في بريكست يُعامل باعتباره مخاطرة سياسية ينبغي تجنبها.