دعا رئيس الوزراء الإسباني الاشتراكي بيدرو سانشيز، الاثنين، إلى إجراء انتخابات مبكرة في 29 نوفمبر، بعد رفض البرلمان إجراءات اقترحتها حكومته بهدف تهدئة الغضب الشعبي والاحتجاجات الجماهيرية المرتبطة بأزمة الإسكان في البلاد. وحظي سانشيز خلال الفترة الماضية باهتمام دولي، بين مؤيدين ومعارضين، بعدما برز في وقت سابق من هذا العام باعتباره أحد أبرز المنتقدين في أوروبا للسياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط.

وبحسب تقرير نشرته شبكة "CNBC"، رأى مؤيدوه في تحذيره من "تكرار أخطاء الماضي" ورفضه "التواطؤ في شيء سيئ للعالم"، مثالًا على موقف أوروبي في مواجهة إدارة أمريكية متشددة، رغم احتمالات التعرض للانتقام. في المقابل، انتقد آخرون، وعلى رأسهم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، سانشيز وحكومته، واتهموا إسبانيا بتعريض "الأرواح الأمريكية للخطر" وعدم القيام بدورها في الإنفاق على حلف شمال الأطلسي "الناتو".

وهدد ترامب بقطع العلاقات التجارية والدبلوماسية مع إسبانيا، بينما واصل سانشيز، الذي يُعد أيضًا من أشد منتقدي الحرب الإسرائيلية على غزة، انتقاده للبيت الأبيض، قائلًا بشأن وقف إطلاق النار الأمريكي الإيراني الذي لم يعد ساريًا، إنه "لن يشيد بمن يشعلون العالم لمجرد ظهورهم بدلاء".

لكن هذه المناورات الجيوسياسية تبدو بعيدة عن جدول الأعمال الداخلي في إسبانيا خلال هذا الشهر، إذ يتركز النقاش العام بشكل متزايد على السكن والأجور وتكاليف المعيشة. وتشكل الهجرة أيضًا نقطة خلاف سياسية متنامية، في ظل استمرار تداعيات وصول عشرات الآلاف من المهاجرين إلى جيب سبتة الإسباني في شمال إفريقيا خلال يوليو.

اقتصاد قوي وغضب شعبي متصاعد

وعلى الرغم من هذه الضغوط، تشير الأرقام الاقتصادية الرئيسية إلى انتعاش قوي للاقتصاد الإسباني منذ بدء جائحة كورونا، إذ لا يزال الاقتصاد يتفوق على متوسط منطقة اليورو، بعدما سجل نموًا بنسبة 0.7% في الربع الثاني من العام.

كما يشهد قطاع السياحة ازدهارًا ملحوظًا، بينما لا يزال اهتمام المستثمرين بالأصول الإسبانية قويًا، إلى جانب ازدهار سوق العمل. لكن هذه المؤشرات الاقتصادية لم تمنع تصاعد الغضب الشعبي، إذ خرج عشرات الآلاف إلى الشوارع خلال عطلة نهاية الأسبوع في ذروة الاحتجاجات التي امتدت عبر أطياف سياسية مختلفة، من نشطاء الإسكان اليساريين الذين واصلوا اعتصاماتهم في مدريد، إلى نشطاء اليمين المتطرف الذين ورد أنهم أدوا التحية النازية.

وتصاعد السخط الشعبي والدعوات إلى إضراب عام عقب إخلاء امرأة معاقة تبلغ من العمر 87 عامًا من منزلها الذي عاشت فيه لمدة 70 عامًا في سبتمبر الماضي. وأعادت هذه الواقعة المأساوية إلى الواجهة شكاوى قديمة بشأن ارتفاع الإيجارات إلى مستويات لا يمكن تحملها ونقص المساكن، خصوصًا في المناطق السياحية.

أزمة السكن

يشغل سانشيز، زعيم حزب العمال الاشتراكي الإسباني، منصب رئيس الوزراء منذ عام 2018، ويقود حاليًا ائتلافًا يساريًا هشًا تشكل في نوفمبر 2023. ويعتمد الائتلاف على عدد من الأحزاب الإقليمية الصغيرة، وهو ما جعل تمرير الإصلاحات أكثر صعوبة، رغم السمعة التي يتمتع بها سانشيز باعتباره سياسيًا بارعًا.

وأدى الجمود البرلماني إلى عجز البلاد عن إقرار الميزانية لأكثر من ثلاث سنوات. كما تراجعت شعبية سانشيز خلال العام الحالي، في ظل تحقيق بشأن مزاعم إساءة استخدام الأموال من جانب الحزب الاشتراكي، وتحقيق آخر يتعلق بقضايا فساد مرتبطة بحليف سانشيز ورئيس الوزراء السابق خوسيه لويس رودريغيز ثاباتيرو، الذي ينفي ارتكاب أي مخالفات.

وفي محاولة لاحتواء احتجاجات الإسكان، سعى سانشيز الأسبوع الماضي إلى تمرير مجموعة من الإجراءات بصورة عاجلة لحماية المستأجرين، تضمنت تعليق عمليات إخلاء المستأجرين الضعفاء حتى عام 2030، وزيادة الضرائب على الشقق المخصصة للإيجار السياحي، وتمديد عقود الإيجار التي تنتهي قبل عام 2028 لمدة عامين، إلى جانب تقييد شراء الشركات الاستثمارية للعقارات السكنية.

لكن مشاريع القوانين رُفضت بعد معارضة أحزاب من بينها حزب الشعب المنتمي إلى يمين الوسط، وحزب فوكس اليميني المتطرف، وحزب "معًا من أجل كاتالونيا" المؤيد للاستقلال، وهو ما زاد من غضب الرأي العام.

وقال كارستن نيكل، المدير الإداري لشركة الاستشارات "كونسيلو"، لبرنامج "سكواك بوكس يوروب" على شبكة "CNBC" الاثنين، إن اشتراط إجراء انتخابات برلمانية جديدة قبل أغسطس 2027 جعل المحللين يتوقعون الدعوة إلى التصويت في وقت قريب.

وأضاف نيكل أن سانشيز يرى في أزمة الإسكان "فرصة" في الوقت الحالي، موضحًا أن ذلك لا يعني أنه سيفوز، لكنه قد يساعده في حشد أصوات يسار الوسط حول قضية عادة ما تكون من قضايا هذا التيار السياسي. وأشار إلى أن هذه الخلفية أفضل بالنسبة لسانشيز من مزاعم الفساد أو الخسائر في الانتخابات الإقليمية.

الانتخابات وموازين القوى

أظهر استطلاع رأي أجرته "بوليتيكو" تقدم حزب الشعب في مؤشر نوايا التصويت البرلماني، بينما قال محللون في "تينيو"، في مذكرة صدرت الجمعة، إن استطلاعات الرأي تشير إلى أن كتلة يمينية تضم حزب الشعب وحزب فوكس يمكن أن تضمن معًا أغلبية برلمانية في الانتخابات.

وقال محللو "تينيو" إن النقاش العام خلال الشهرين الماضيين ركز بشكل متزايد على أزمة الهجرة في سبتة، الجيب الإسباني الواقع في شمال إفريقيا، وعلى الانتقادات الموجهة إلى طريقة تعامل الحكومة معها. وأضافوا أن الإسكان يمثل مصدر قلق كبير للناخبين، ولديه القدرة على حشد الناخبين اليساريين. لكن المحللين حذروا من أن هذه الاستراتيجية تحمل مخاطر، إذ يمكن تحميل الحكومة نفسها المسؤولية عن عدم معالجة أزمة الإسكان بعد أكثر من ثماني سنوات في السلطة.

ووضع فيديريكو سانتي، كبير المحللين لشؤون أوروبا في مجموعة "أوراسيا"، احتمالًا بنسبة 70% لأن تسفر الانتخابات عن أغلبية من يمين الوسط، مستشهدًا بالتقدم القوي للمعارضة المحافظة في استطلاعات الرأي، وانخفاض معدلات تأييد سانشيز، وتشرذم الجناح اليساري.

ومع ذلك، أشار سانتي أيضًا إلى "السجل الطويل لسانشيز في قلب نتائج الانتخابات الصعبة"، موضحًا أنه كان من المتوقع على نطاق واسع أن يخسر في كل من عامي 2019 و2023، إلى جانب قدرته القوية على حشد الناخبين حول قضية مثل الإسكان.

الصين والناتو

وقال كارستن نيكل من شركة "كونسيلو" لشبكة "CNBC" إن تشكيل حكومة جديدة من يمين الوسط سيثير العديد من التساؤلات لدى مراقبي السوق، من بينها وضع الإنفاق على حلف شمال الأطلسي "الناتو"، وما قد يعنيه ذلك بالنسبة إلى الوضع التجاري لإسبانيا مع الولايات المتحدة.

وأضاف أن السؤال الحاسم الآخر يتعلق بما إذا كانت الحكومة الجديدة ستتراجع عن دعوة الإدارة الحالية داخل الاتحاد الأوروبي إلى إقامة علاقة أقل صدامية مع الصين بشأن التجارة. ووصف نيكل إسبانيا بأنها "آخر معقل يدفع باتجاه موقف أكثر ليونة" تجاه الصين.

وأوضح أن فرنسا وألمانيا تتفقان حاليًا على الشعور بالتهديد من تحول الصين من مشترٍ إلى منافس في قطاعات رئيسية مثل السيارات، مشيرًا إلى أن تحرك إسبانيا في الاتجاه نفسه قد يؤدي إلى "وضع خطير من المعاملة بالمثل، قطاعًا تلو الآخر" بين الصين والاتحاد الأوروبي.