لا يزال العجز التجاري الذي فاقم التوترات بين الصين والولايات المتحدة خلال السنوات الأخيرة قائمًا، فيما يواجه ثاني أكبر اقتصاد في العالم تحديات جسيمة. إلا أن جهود الصين لتحقيق الاكتفاء الذاتي خففت من حدة التهديد الذي تشكله التطورات التجارية العالمية على سوقها المحلية، في وقت تستعد فيه بكين وواشنطن لاجتماع جديد بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس الصيني شي جين بينغ.
وبحسب تقرير نشرته شبكة "CNBC"، من المتوقع أن يجتمع ترامب وشي هذا الأسبوع، في ثاني قمة مباشرة بينهما خلال العام الحالي، بينما برزت مخاوف الولايات المتحدة بشأن الذكاء الاصطناعي في الأيام التي سبقت الاجتماع. وفي المقابل، تأمل الشركات في تمديد الهدنة التجارية التي تم التوصل إليها في الخريف الماضي، رغم أن الرسوم الجمركية لم تسهم إلا قليلًا في الحد من إقبال الولايات المتحدة على السلع الصينية.
اجتماع ترامب وشي والهدنة التجارية
أدى تصاعد التوترات التجارية في أبريل الماضي إلى انخفاض العجز التجاري الأمريكي مع الصين لفترة وجيزة إلى أدنى مستوى له منذ عام 2017، إلا أن الطلب المتزايد على الأجزاء المرتبطة بالذكاء الاصطناعي ساعد في رفعه مجددًا خلال العام الحالي، وفقًا لبيانات الجمارك الصينية.
ورغم تنويع الولايات المتحدة لأنشطتها بعيدًا عن الصين، فإنه لا يزال من الصعب على العالم التخلص من اعتماده على الدولة الآسيوية. وأشار ينس إسكيلوند، رئيس غرفة التجارة الأوروبية في الصين، إلى أن آسيا لا تزال تمثل أكثر من 60% من واردات الولايات المتحدة، وهي النسبة نفسها التي كانت قبل "يوم التحرير".
وقدر إسكيلوند أن ما بين نصف وثلاثة أرباع حركة الحاويات من الصين إلى جنوب شرق آسيا تتجه لاحقًا إلى وجهات أخرى، وهو ما ساهم في تسريع اعتماد العالم على السلع المصنوعة في الصين.
كيف قلل الاكتفاء الذاتي من تأثير التوترات؟
قال إسكيلوند إنه كان يتوقع سابقًا أن تمثل الصين 40% من صادرات الحاويات العالمية في عام 2030، لكن هذا الإنجاز تحقق بالفعل خلال الصيف الحالي. وأوضح أن "الصدمة الصينية" ربما لم تبدأ فعليًا إلا في عام 2022، معتبرًا أن الجائحة شوّهت الصورة، إذ كانت الصين أول من دخل الجائحة وأول من خرج منها، وهو ما سمح لها برفع سعر صرف عملتها وارتفاع أسعار صادراتها.
وقال إن الصين كانت قادرة على ذلك لأنها كانت "اللاعب الوحيد في الساحة". وفي الوقت نفسه، بدأ سوق العقارات في الصين انكماشه عام 2022، ما أدى إلى انخفاض الطلب المحلي، بينما كثفت الشركات الصينية توسعها العالمي وصادراتها. وقال إسكيلوند إن هناك "ارتباطًا مباشرًا ومثاليًا بين انخفاض أسعار التصدير وتسارع الصادرات من حيث الحجم".
كما ساهم قيام شركات التقنية الأمريكية ببناء مراكز بيانات لتشغيل الذكاء الاصطناعي في دعم الطلب على السلع الصينية. لكن مركز الأبحاث CF40 قدّر أن الصادرات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي انخفضت بشكل كبير في أغسطس، للمرة الأولى هذا العام مقارنة بالعام الماضي.
وأشار كبير الاقتصاديين الصينيين في ماكواري، لاري هو، الأسبوع الماضي أيضًا إلى أن الأداء الأخير لمؤشر PHLX لأشباه الموصلات، الذي قال إنه يميل إلى التنبؤ بكيفية نمو صادرات الصين من التقنية العالية خلال الأشهر الستة المقبلة، "لا يبشر بالخير بالنسبة لتوقعات الصادرات الصينية خلال العام المقبل".
الصين تعوّض ضعف الطلب المحلي بالصادرات
ومع ذلك، لا يتوقع الاقتصاديون أن يقوم صناع السياسات في الصين بالكثير، في ظل استمرار وجود قطاعات تحقق أداءً قويًا. وفي قطاع التصنيع المرتبط بالتقنية، ارتفع إنتاج الروبوتات الصناعية بنسبة 34.6% على أساس سنوي في أغسطس، بينما انخفض إنتاج الهواتف الذكية بنسبة 22.3%.
وقالت هوي شان، كبيرة الاقتصاديين الصينيين في غولدمان ساكس، في تقرير صدر في 20 سبتمبر، إنه نظرًا لوجود قطاعات فرعية مزدهرة يمكن للحكومة الإشارة إليها، لا يبدو أن صناع السياسات يشعرون بضرورة ملحة لتقديم تدابير تيسيرية إضافية، في غياب تدهور حاد في سوق العمل.
وأشارت إلى أن أسعار المنازل شهدت بالفعل انخفاضًا بنسبة 30% خلال ست سنوات، وهو ما يُعد نموذجًا لانكماشات سوق العقارات واسعة النطاق في مناطق أخرى من العالم. وأضافت أن ضعف أسواق العمل واستمرار انخفاض الإيجارات من المرجح أن يطيل أمد الانكماش في أجزاء كثيرة من الصين.
كما يتزايد عدد الشركات الخاسرة، إذ تمثل الشركات الصناعية الخاسرة 24% من الشركات الصناعية في الصين عام 2025.
هيمنة على سلاسل التوريد تربك المنافسين
لم يؤد التباطؤ الاقتصادي إلا إلى دفع الشركات في الصين إلى التنافس بشراسة أكبر، سواء مع بعضها البعض أو مع منافسيها الأجانب.
وأعلنت غرفة التجارة الأمريكية في شنغهاي هذا الشهر أن ثلاثة أرباع الأعضاء الذين استجابوا لاستطلاع رأي رأوا أن المنافسين الصينيين أصبحوا أكثر تقدمًا، بينما تقلصت الفجوة المتصورة في جودة المنتجات بمقدار 6 نقاط مئوية مقارنة بالعام الماضي. وقالت الغرفة إن المنافسة المحلية تجاوزت التوترات الجيوسياسية لتصبح أكبر تحدٍ يواجه الأعضاء للمرة الأولى منذ عام 2022.
ويتزايد تأثير هذه القضية على الصعيد الدولي، حيث بدأ مسؤولون في الاتحاد الأوروبي يحذون حذو الولايات المتحدة في التدقيق في الصادرات الصينية. ومن المتوقع أن يسافر مفوض التجارة في الاتحاد الأوروبي، ماروش شيفكوفيتش، الذي حث الصين على تحقيق "نتائج ملموسة" في مجال التجارة بحلول أكتوبر، إلى بكين الشهر المقبل.
وأشار إسكيلوند إلى أن الاتحاد الأوروبي لديه أكبر عجز تجاري مع الصين مقارنة بأي اقتصاد آخر. وبجانب المنافسة من خلال السلع منخفضة التكلفة، أصبحت الشركات الصينية تهيمن على سلاسل التوريد العالمية للمعادن الحيوية، وهو ما يدعم أيضًا أهداف بكين في تحقيق الاكتفاء الذاتي.
وقال تشاد باون، الزميل الكبير في معهد بيترسون للاقتصاد الدولي ومقره الولايات المتحدة: "لا يبدو أن استراتيجية الصين تعتمد بأي شكل من الأشكال على الإجراءات التي قد يتخذها بقية العالم"، مضيفًا أنها "استراتيجية الاعتماد الأحادي الجانب لبقية العالم على الصين التي ستستخدمها كسلاح".




