يستعد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لمواجهة سياسية مهمة مع اقتراب إجراء أول انتخابات برلمانية في البلاد منذ الغزو الشامل لأوكرانيا في أوائل عام 2022، في تصويت يجري تحت رقابة مشددة وعلى مدى ثلاثة أيام، من الجمعة إلى الأحد.

وبحسب تقرير نشرته شبكة "CNBC"، من المتوقع على نطاق واسع أن تعزز الانتخابات هيمنة حزب روسيا الموحدة الحاكم على مجلس الدوما، الغرفة الأدنى في البرلمان الروسي، والتي تضم 450 مقعدًا.

ورغم أن نتيجة الانتخابات لا تبدو موضع شك، فإن مراقبين خارجيين سيولون اهتمامًا كبيرًا بنسبة إقبال الناخبين وهامش فوز حزب روسيا الموحدة، بحثًا عن أي مؤشرات على السخط الشعبي بعد أكثر من أربع سنوات ونصف من الحرب.

تراجع تأييد الحزب الحاكم

وأظهرت استطلاعات الرأي تقدم حزب روسيا الموحدة، المدعوم من بوتين، بفارق كبير على منافسيه، رغم تراجع معدلات تأييده إلى أدنى مستوى لها في أربع سنوات، وسط أزمة وقود على مستوى البلاد وضربات بطائرات أوكرانية بدون طيار استهدفت مستودعات التوصيل.

وأعلنت جميع الأحزاب المشاركة في الانتخابات، ولو بشكل جزئي، ولاءها لبوتين وآرائه السياسية. وكان حزب يابلوكو الحزب السياسي المسجل الوحيد الذي عارض الحرب الروسية في أوكرانيا، إلا أن المحكمة العليا في البلاد منعته من خوض الانتخابات الشهر الماضي.

وقال سيرجي غورييف، عميد وأستاذ الاقتصاد في كلية لندن للأعمال، لشبكة "CNBC"، إن هناك إجماعًا وشعورًا عامًا داخل المجتمع الروسي بأن الحرب أصبحت مكلفة، إلى درجة أن بعض أعضاء النخبة الحاكمة لبوتين بدأوا يتحدثون عن ضرورة إنهائها.

تحذيرات داخل الدائرة الاقتصادية

وبحسب ما ورد، أقال الكرملين أندريه كليباتش من بنك التنمية الروسي الذي تسيطر عليه الدولة "VEB" الشهر الماضي، بعد أن قدم كبير الاقتصاديين السابق تقريرًا حذر فيه من أن روسيا لا تستطيع خوض حرب استنزاف طويلة الأمد مع أوكرانيا، متوقعًا حدوث أزمة اجتماعية كبيرة.

وسبق أن دخل بوتين في خلاف مع جيرمان جريف، الرئيس التنفيذي لبنك سبيربنك. ففي منتدى اقتصادي عقد في سبتمبر من العام الماضي، حذر الرئيس التنفيذي لأكبر بنك في روسيا من حدوث ركود اقتصادي في البلاد، وهو ما دفع بوتين إلى الرد عليه. وقال غورييف إن استطلاعات الرأي، رغم ما وصفها به من تحيز، تظهر أن الروس يشعرون بالتأثير الاقتصادي للحرب، مشيرًا إلى توقف نمو الاقتصاد وتراجع أوضاع الميزانية.

وأضاف أن بوتين اضطر إلى رفع الضرائب، وهو إجراء لا يحظى بشعبية كبيرة، ورغم زيادة الضرائب لا يزال هناك عجز كبير في الميزانية. وقال إن ذلك لن يؤدي إلى انهيار الاقتصاد الروسي، لكنه سيؤدي إلى مزيد من الاستياء والسخط في أنحاء البلاد. ولم يتسن الحصول على تعليق فوري من السفارة الروسية في لندن.

"دفعة مؤقتة للغاية"

وقال محللون إن أحد الأسباب الرئيسية التي تجعل انتخابات مجلس الدوما أكثر أهمية مما قد تبدو عليه هو أن المجلس الأدنى المنتخب للبرلمان سيواصل عمله حتى عام 2031، بما في ذلك خلال الانتخابات الرئاسية المقرر إجراؤها في عام 2030. ويعني ذلك أنه إذا شهدت روسيا تحولًا سياسيًا عميقًا خلال السنوات الخمس المقبلة، فإن مجلس الدوما سيكون له دور رئيسي في إدارة هذا التحول وإضفاء الشرعية عليه.

ويمتلك حزب روسيا الموحدة حاليًا 310 مقاعد، وسيحتاج إلى الفوز بما لا يقل عن 300 مقعد للحفاظ على أغلبيته الساحقة، وإجراء تغييرات دستورية دون الحاجة إلى الاعتماد على دعم أحزاب أخرى.

النفط يدعم ميزانية الحرب مؤقتًا

وكثفت أوكرانيا هجماتها على المنشآت النفطية الروسية ومراكز الخدمات اللوجستية خلال الأشهر الأخيرة، في محاولة لزيادة تكلفة الحرب على روسيا واختبار مدى استعداد بوتين لمواصلة الصراع. وفي المقابل، وفر الارتفاع الأخير في أسعار النفط، في ظل الصراع بين الولايات المتحدة وإيران للسيطرة على مضيق هرمز، مكسبًا ماليًا كبيرًا لصندوق حرب الكرملين، رغم عدم اقتناع الجميع بأن ذلك سيحدث فارقًا كبيرًا على المدى الطويل.

وقالت كاتيا غلود، نائبة رئيس قسم السياسة الخارجية في مركز استراتيجيات أوراسيا الجديدة، لشبكة "CNBC"، إن هذا الارتفاع يمثل "دفعة مؤقتة للغاية". وأضافت أنه حتى مع ارتفاع أسعار النفط على المدى القريب، لن يتمكن الكرملين من دعم ميزانية روسيا بالقدر الكافي لمواصلة دفع الرواتب التعاقدية "العالية جدًا" التي وُعد بها الجنود المجندون للقتال.

وقالت غلود إن التوقعات لا تشير إلى أن ارتفاع أسعار النفط سيتحول إلى دفعة اقتصادية أكبر للكرملين أو إلى توافر مزيد من الأموال للإنفاق.

تكهنات بشأن موجة تعبئة جديدة

وأشار بعض المراقبين الخارجيين إلى أن السلطات الروسية تبدو وكأنها تمهد الطريق لموجة جديدة من التعبئة العسكرية بعد انتخابات مجلس الدوما، في احتمال لا يحظى بشعبية كبيرة داخل روسيا. في المقابل، نفى الكرملين مرارًا وجود أي خطط للتعبئة الإجبارية.

وقال فلاديسلاف فلاسيوك، المبعوث الخاص للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، خلال زيارته إلى سنغافورة يوم الثلاثاء، إن هناك معلومات استخباراتية كثيرة تشير إلى احتمال بدء التعبئة، مضيفًا أن الأمر سيظهر مع الوقت، وأنه يبدو بالنسبة إليه معاكسًا تمامًا لمفاوضات السلام.

كما أعرب فلاسيوك عن خيبة أمله مما اعتبره غيابًا للاحتجاجات المناهضة للحرب في روسيا، وخلص إلى أن ذلك قد يعني أن معظم المواطنين الروس يؤيدون حرب بوتين، مضيفًا أن الأمر "مقلق، بل مقلق للغاية".

خط المواجهة يحدد حسابات بوتين

ويعد تطور الوضع على خط المواجهة أحد المؤشرات الرئيسية التي يتعين على المستثمرين مراقبتها خلال الأشهر المقبلة. وقال غورييف إنه إذا اعتقد بوتين أن القوات الروسية تتقدم في منطقة دونيتسك الشرقية، فمن المرجح أن يستنتج الرئيس الروسي أن "الوقت في صالحه" لإجراء محادثات السلام.

وأضاف أنه بمجرد تجميد خط المواجهة بشكل كامل، وظهور مؤشرات على أن الأوكرانيين قد يصلون إلى ذلك بالفعل في نهاية العام، قد يبدأ بوتين في التفكير في أن الوقت حان للتفاوض بجدية.