لم تُفضِ المواجهة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وحلف شمال الأطلسي "الناتو" إلى انسحاب أمريكي كبير من أوروبا حتى الآن، لكن خفضًا واسعًا في عدد القوات الأمريكية لا يزال خيارًا مطروحًا، بينما يستعد حلفاء واشنطن لمستقبل أقل اعتمادًا عليها.

قاعدة أمريكية في رومانيا تكشف مفارقة العلاقة

بُنيت قاعدة ميخائيل كوغالنيسيانو الجوية في رومانيا لتكون مركزًا للوجود العسكري الأمريكي، وتستضيف القوات الأمريكية منذ عام 1999، كما دعمت العمليات العسكرية في العراق وأفغانستان. وفي العام الماضي، غادر نحو نصف القوات الأمريكية البالغ عددها حوالي ألفي جندي في رومانيا، ضمن إعادة تنظيم إدارة ترامب للوجود العسكري الأمريكي في أوروبا.

وأثارت الخطوة قلقًا في رومانيا، العضو في الناتو والمجاورة لأوكرانيا، خاصة مع وقوع القاعدة على الجناح الشرقي للحلف وتكرار دخول طائرات روسية مسيرة إلى أجواء دول أعضاء فيه. لكن زيارة رويترز للقاعدة في يوليو كشفت استمرار جانب مهم من الوجود العسكري الأمريكي؛ إذ كانت تسع طائرات من طراز KC-135 ستراتوتانكر موجودة هناك لتزويد الطائرات والقاذفات الأمريكية بالوقود خلال الحرب مع إيران.

وساهم وجود أطقم الطائرات وموظفي الدعم في تعويض جزء من الانسحاب السابق للقوات، بينما ظلت طائرات ستراتوتانكر موجودة في القاعدة بعد أكثر من شهرين، بما يعكس استمرار اعتماد واشنطن على القواعد الأوروبية.

وتكشف هذه المفارقة جانبًا من مواجهة ترامب مع الحلف المؤلف من 32 دولة؛ إذ هدد بخفض القوات، وضغط على الحلفاء لزيادة الإنفاق الدفاعي، بينما كشف تحقيق لرويترز أن إدارته لا تزال تستثمر في منشآت عسكرية رئيسية تابعة للناتو وتعتمد عليها في بسط القوة الأمريكية في أوروبا والشرق الأوسط وخارجهما.

ولتقييم آثار حملة ترامب، أجرت رويترز مقابلات مع أكثر من 50 مسؤولًا غربيًا حاليًا وسابقًا وضابطًا ودبلوماسيًا وخبيرًا دفاعيًا، كما زار صحفيوها قواعد يستخدمها الحلف في رومانيا وإستونيا وشاهدوا مناورات للناتو.

خفض محتمل لـ25 ألف جندي

خلص التحقيق إلى أن الحلف يعيش حالة توتر، لكنه لم ينهَر. وقال تسعة مسؤولين أمريكيين حاليين وسابقين لرويترز إن الجمهوريين والديمقراطيين في الكونغرس، إلى جانب شركات المقاولات الدفاعية الأمريكية التي لديها عملاء أوروبيون كبار، يملكون نفوذًا سياسيًا قد يمنع انسحاب الولايات المتحدة من الناتو، وهو أمر هدد به ترامب مرارًا.

لكن مسؤولين واستراتيجيين أمريكيين وأوروبيين قالوا إن هجمات ترامب على الحلف أضعفت الثقة عبر الأطلسي، بما يؤثر على الإنفاق الدفاعي وشراء الأسلحة والتخطيط الأمني طويل الأجل. ووصف مسؤولون تراجع الثقة بأنه يمس جوهر الردع الذي يقوم عليه الناتو، والمتمثل في المادة الخامسة التي تنص على أن أي هجوم مسلح على عضو في الحلف يُعامل باعتباره هجومًا على جميع الأعضاء.

وبينما يتزايد الإنفاق العسكري داخل الحلف، بدأت ثماني دول أعضاء على الأقل، بينها كندا وبولندا والدنمارك وإسبانيا، في تنويع مشترياتها بعيدًا عن الأسلحة والتكنولوجيا وشركات الدفاع الأمريكية.

وقال جيه سي لينتزنيتش، المسؤول السابق في الاستخبارات العسكرية الأمريكية، إن الضغط على أوروبا دفعها إلى زيادة الإنفاق وتحمل مسؤولية أكبر، لكنه خلق أيضًا "حالة من عدم اليقين الحقيقي" بشأن احتمال تخلي الولايات المتحدة عن حلفائها.

في المقابل، قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض أوليفيا ويلز إن ترامب قدم للناتو أكثر من أي شخص آخر، وإنه سيواصل الدفاع عن المصالح الأمريكية. ورغم أن ترامب ينسب لنفسه الفضل في زيادة الإنفاق الدفاعي الأوروبي، تأثرت الزيادة أيضًا بالغزو الروسي الشامل لأوكرانيا عام 2022، الذي أدى إلى مقتل مئات الآلاف ونزوح الملايين.

وقال ماثيو ويتاكر، سفير الولايات المتحدة لدى الناتو، إن "التحالف القوي يقوم على محاسبة الحلفاء لبعضهم البعض"، بينما أشار الحلف إلى تصريحات أمينه العام مارك روته التي أشاد فيها بدور ترامب في زيادة الإنفاق الدفاعي.

لكن قدرة ترامب على إعادة تشكيل الحلف اصطدمت بقيود داخل إدارته نفسها. فقبل اجتماع وزراء دفاع الناتو في بروكسل في يونيو، كان وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث يعتزم الإعلان عن خفض نحو 25 ألف جندي أمريكي في أوروبا، وهو ما كان سيخفض عدد القوات الأمريكية إلى ما دون الحد الأدنى البالغ 76 ألف جندي الذي حدده الكونغرس.

وبدلًا من ذلك، واجه هيغسيث مقاومة داخل الإدارة، وأعلن مراجعة تستمر ستة أشهر لوضع القوات الأمريكية في أوروبا، مع التركيز على الدول التي ترفض أو تتردد أو تتبنى سياسة الانتظار عندما تحتاج واشنطن إلى دعمها.

وفي أغسطس، أعد البنتاغون وثيقة تتضمن 57 سؤالًا للحلفاء لقياس التزامهم العسكري والمالي والسياسي تجاه الولايات المتحدة، ومن بينها سؤال حول دعم أولويات السياسة الخارجية الأمريكية. وكشف التحقيق عن صراع داخل واشنطن بشأن مدى قدرة الولايات المتحدة على تقليص دورها في أوروبا دون الإضرار بنفوذها العسكري.

وقال خمسة مساعدين كبار في الكونغرس، من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، إن هناك تزايدًا في عدم الثقة تجاه تعامل هيغسيث مع الناتو. وقال ثلاثة أشخاص مطلعين على الأمر إن إحدى النتائج المحتملة للمراجعة قد تكون اقتراح خفض 25 ألف جندي، وهو الرقم نفسه الذي كان هيغسيث يعتزم الإعلان عنه في يونيو.

ويبلغ عدد العسكريين الأمريكيين في أوروبا حاليًا أكثر من 81 ألف فرد، مقارنة بمتوسط نحو 65 ألفًا في السنوات الأربع التي سبقت تولي ترامب الرئاسة للمرة الأولى عام 2017. وارتفع العدد إلى 74 ألفًا خلال ولايته الأولى، ثم قفز إلى 105 آلاف في عهد الرئيس السابق جو بايدن بعد الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022، قبل أن ينخفض مجددًا إلى مستوياته الحالية تقريبًا مع عودة ترامب إلى السلطة عام 2025.

أوروبا تنفق أكثر.. لكنها تبحث عن بدائل

استجاب معظم الحلفاء لمطالب ترامب بزيادة الإنفاق الدفاعي، ما ساهم في تحويل قمة الناتو في أنقرة خلال يوليو إلى اجتماع وصفه ترامب بأنه "ناجح للغاية".

لكن المراجعة الأمريكية المستمرة تظل مصدر الغموض الرئيسي بالنسبة للحلف. ويرى بعض المسؤولين الأوروبيين أن القيادة العسكرية للناتو يمكنها إدارة انسحاب أمريكي محتمل، بينما يخشى آخرون أن تؤدي العملية إلى منافسة بين الدول الأوروبية للحصول على دعم واشنطن.

وفي رومانيا وبولندا، قال مسؤولون لرويترز إن حكومتي البلدين مارستا ضغوطًا مكثفة، ولكن بصورة سرية، للإبقاء على القوات الأمريكية في أراضيهما. وقال جورج سكوتارو، خبير الدفاع الروماني، إن الجنود الأمريكيين يمثلون "أفضل وسيلة ردع".

وأظهرت الحرب مع إيران مدى اعتماد واشنطن على الجغرافيا الأوروبية رغم التوترات مع حلفائها. ففي أواخر مارس، رفضت إيطاليا السماح لبعض الطائرات العسكرية الأمريكية بالهبوط في قاعدة سيجونيلا بصقلية قبل توجهها إلى الشرق الأوسط، لكن بحلول أواخر يونيو عبرت أكثر من 500 طائرة عسكرية أمريكية قواعد إيطالية، منها 343 عبر سيجونيلا و211 عبر أفيانو، وكان كثير منها يحمل ذخائر.

ورغم ذلك، هاجم ترامب رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني في يونيو، قائلًا إنها لم تسمح للولايات المتحدة باستخدام مهابط الطائرات أو المدارج الإيطالية، واصفًا ذلك بأنه عائق لوجستي كبير.

ومنذ تأسيسه عام 1949، شكّل الناتو ركيزة أساسية للقوة الأمريكية في أوروبا، مقابل توفير حماية أمريكية للحلفاء الأوروبيين. وظل ترامب لعقود ينتقد استفادة الدول الأخرى من الحماية الأمريكية دون تحمل نصيبها من التكلفة، ودعا خلال حملته عام 2016 إلى الدفع أو الخروج من الناتو، وقال إن تفكك الحلف سيكون مقبولًا بالنسبة له.

وفي ولايته الأولى، طالب ترامب بزيادة الإنفاق الدفاعي للحلفاء من 2% إلى 4% من الناتج المحلي الإجمالي، وقبل عودته إلى الرئاسة دعا إلى رفع النسبة إلى 5%. وفي عام 2025، أنفق الحلفاء الأوروبيون وكندا 2.3% من ناتجهم المحلي الإجمالي على الدفاع، وفقًا للناتو، بينما وافقت جميع الدول باستثناء إسبانيا على إنفاق 5% على الدفاع والاستثمارات الأمنية الأوسع بحلول عام 2035.

قواعد أمريكية بمليارات الدولارات

رغم هجوم ترامب على الحلف، واصلت الولايات المتحدة تمويل مشاريع بنية تحتية ضخمة في منشآتها العسكرية الأوروبية. وفي إسبانيا، التي وصفها ترامب بأنها "شريك سيئ في الناتو" و"قضية ضائعة"، لم تظهر واشنطن مؤشرات على التخلي عن قاعدتي روتا ومورون. وفي مايو ويونيو، أعلنت الولايات المتحدة عن تعزيز مرافق الطائرات وعقود بناء بقيمة 400 مليون دولار لشركات إسبانية في مورون، بهدف الحفاظ على القاعدة وتطويرها خلال العقد المقبل.

وتوفر روتا ومورون منفذًا إلى المحيط الأطلسي والبحر المتوسط، وتوسعان نطاق القوة العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وفي رومانيا، استثمرت الولايات المتحدة أكثر من 100 مليون دولار في توسعة قاعدة ميخائيل كوغالنيسيانو، إلى جانب مشروع روماني تبلغ قيمته نحو 2.7 مليار دولار، يستهدف تحويلها بحلول عام 2040 إلى أكبر قاعدة جوية للناتو في أوروبا، بطاقة استيعاب تصل إلى 20 ألف فرد.

أما في بريطانيا، فعلى الرغم من انتقاد ترامب لرئيس الوزراء آنذاك كير ستارمر بسبب الدعم المحدود للضربات الأمريكية على إيران، تنفق الولايات المتحدة أكثر من 4.2 مليار دولار على مشاريع حالية ومستقبلية في سبع قواعد جوية بريطانية. كما نفذت قاذفات أمريكية ضربات على أهداف إيرانية انطلاقًا من قاعدة بريطانية واحدة على الأقل.

ويرى أكثر من 12 مسؤولًا أوروبيًا وأمريكيًا وكنديًا حاليًا وسابقًا أن ترامب ليس بحاجة إلى الانسحاب رسميًا من الناتو لإضعافه، إذ إن خطابه المناهض للحلف قد يعطي موسكو انطباعًا بأن الغرب منقسم وأكثر عرضة للخطر.

وتتهم دول أوروبية روسيا بالوقوف وراء موجة من حوادث التخريب في القارة، بينها محاولة هجوم بطائرة مسيرة على مطار ألماني وحريق في مصنع بولندي للطائرات المسيرة خلال أغسطس.

وفي يوليو، وبعد يومين من زيارة رويترز للقاعدة الرومانية، اعترضت مقاتلات رومانية طائرة روسية مسيرة اخترقت الأراضي الرومانية وأسقطتها طائرة F-16 رومانية. وفي الأيام التالية أُسقطت طائرتان مسيرتان أخريان يُعتقد أنهما روسيتان، ثم سقط صاروخ كروز روسي في بولندا.

ونفت روسيا مسؤوليتها عن تلك الحوادث، ووصف سفيرها لدى بلجيكا دينيس غونشار ما حدث بأنه "استفزازات قذرة" تهدف إلى جر الناتو والاتحاد الأوروبي إلى مواجهة مباشرة مع موسكو. لكن مسؤولين أوروبيين حملوا روسيا مسؤولية التوغلات، واعتبروها جزءًا من حملة تهدف إلى تقويض الدعم لأوكرانيا واختبار وحدة الناتو.

كندا وأوروبا تتجهان إلى أسلحة غير أمريكية

لا تنتظر حكومات الناتو توضيحات من واشنطن، إذ تعيد تسليح نفسها بوتيرة لم تشهدها منذ عقود، وفي بعض الحالات تبحث عن بدائل للتكنولوجيا العسكرية الأمريكية. وقال الناتو إن أعضاءه الأوروبيين وكندا رفعوا إنفاقهم الدفاعي المشترك بنسبة 20% في 2025 مقارنة بالعام السابق.

وكان ترامب قد توقع مكاسب كبيرة لشركات الدفاع الأمريكية من زيادة إنفاق الحلفاء، وقال في اجتماع مع الأمين العام للناتو مارك روته عام 2025: "سنقوم بتصنيعها، وهم سيدفعون ثمنها".

لكن رويترز حددت ثماني دول على الأقل، هي كندا وبولندا والدنمارك وإسبانيا والنرويج وتركيا وفرنسا وألمانيا، تبحث عن طرق لتقليل اعتمادها على الأسلحة والتكنولوجيا وشركات الدفاع الأمريكية. ولا تزال أوروبا غير قادرة على استبدال بعض التقنيات العسكرية الأمريكية المتقدمة، لكنها بدأت في شراء المزيد من المعدات غير الأمريكية.

وتبرز كندا مثالًا على ذلك، إذ اختارت في يونيو نظام رادار قطبي أسترالي الصنع بقيمة 1.7 مليار دولار على حساب منافس أمريكي، كما تدرس شراء طائرات إنذار مبكر من السويد وبعض المقاتلات السويدية من طراز جريبن بدلًا من المزيد من طائرات F-35 الأمريكية. وقالت وزارة الدفاع الكندية إنها لم تحسم بعد قرار شراء المزيد من طائرات F-35، وإن مراجعة البرنامج لا تزال جارية.

وفي المقابل، قالت شركة لوكهيد مارتن، المصنعة لـF-35، لرويترز إنها تشهد "طلبًا قويًا من أعضاء الناتو" على الطائرة وغيرها من منتجاتها، مشيرة إلى أن بولندا وفنلندا ستتسلمان أولى طائراتهما هذا العام، على أن تتبعهما كندا وألمانيا.

ويصعب فك ارتباط أوروبا بعقود من التكامل العسكري الأمريكي بسرعة، إذ يستغرق بناء القدرات الصناعية سنوات، كما يحتاج تطوير معظم الأسلحة الجديدة إلى فترات أطول. ومع ذلك، يرى مسؤولون أوروبيون وأمريكيون وكنديون أن الاعتماد على التكنولوجيا الأمريكية وسلاسل التوريد والقيادة السياسية بات يمثل خطرًا استراتيجيًا محتملًا.

وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، في خطابها السنوي عن حالة الاتحاد الأوروبي، إن على أوروبا "إعادة النظر بشكل عاجل في شراكاتها"، ودعت كندا إلى أن تصبح أول "عضو منتسب" للاتحاد الأوروبي، في إشارة إلى تعاون أوثق في مجالات الدفاع والتجارة وغيرها.

الثقة في الحلف تواجه اختبارًا

على المستوى الرسمي، لا تزال حكومات أوروبية تؤكد تماسك الناتو. وقالت البرتغال والنرويج وألمانيا وإسبانيا، ردًا على أسئلة رويترز، إن الحلف لا يزال متحدًا رغم التوترات. لكن مسؤولين أوروبيين يقولون في أحاديث خاصة إن الردع لن يكون فعالًا ما لم يعتقد الخصوم، وعلى رأسهم روسيا، أن الولايات المتحدة ستدافع عن أوروبا.

وأظهر استطلاع أجراه مركز بيو للأبحاث في يوليو أن الصين تحظى بنظرة أكثر إيجابية من الولايات المتحدة في معظم الدول الـ36 التي شملها الاستطلاع، بينها تسع دول أعضاء في الناتو.

وقالت السيناتور الديمقراطية جين شاهين إن ذلك "مقلق للغاية"، مضيفة أن الأوروبيين لم يعودوا ينظرون إلى ترامب باعتباره حليفًا موثوقًا. وبحسب 12 مسؤولًا حكوميًا وعسكريًا غربيًا حاليًا وسابقًا، لم تؤثر قضية جرينلاند على الثقة في الولايات المتحدة بأقل من خطط ترامب الأخرى.

وفي يناير، استبعد ترامب استخدام القوة للسيطرة على الإقليم الدنماركي، لكنه واصل التعبير عن رغبته في الحصول عليه.

هل الناتو مستعد للحرب الحديثة؟

وبالتوازي مع الخلاف السياسي حول مستقبل الوجود الأمريكي، كشفت الحرب في أوكرانيا عن تحدٍ آخر أمام الناتو يتعلق بمدى استعداد الحلف لخوض حرب حديثة. وقال خمسة مسؤولين دفاعيين أوكرانيين وغربيين لرويترز إن تطورات ساحة المعركة تتحرك بسرعة تجعل بعض أسلحة وتكتيكات الناتو معرضة للتقادم، في وقت تستطيع فيه أوكرانيا التكيف مع التغييرات خلال أسابيع، بينما تستغرق عمليات شراء وتطوير أنظمة الناتو سنوات وأحيانًا عقودًا.

وقال دينيس شتيلرمان، الشريك المؤسس وكبير المصممين في شركة "فاير بوينت" الأوكرانية لصناعة الصواريخ والطائرات المسيرة، إن الدبابات أصبحت "عديمة الجدوى" لأن طائرة مسيرة تبلغ تكلفتها نحو 5 آلاف دولار يمكنها تدمير دبابة، رغم أن العديد من المحللين العسكريين يرون أن الدبابات لا تزال تؤدي دورًا مهمًا في المعارك المستقبلية. كما غيرت الطائرات المسيرة الرخيصة شكل المعارك، إذ أصبحت القوات المتجمعة في مجموعات أو القوافل الكبيرة أكثر عرضة للاستهداف.

وقال أولكسندر بيفنينكو، قائد الحرس الوطني الأوكراني، عن القوات الدولية التي تدربت معها وحداته: "إنهم بارعون في اقتحام المواقع. ولكن إذا كانت هناك طائرة مسيرة تحلق فوق رؤوسكم ولم تنظروا إليها، فماذا تتوقعون أن يحدث لفرقتكم؟"

وخلال مناورة للناتو قرب بالديسكي في إستونيا، شاهد صحفيو رويترز قوات أمريكية وأوروبية تعالج عشرات المصابين في مستشفيات ميدانية محاكاة. لكن المناورة افترضت قدرة الناتو على السيطرة على المجال الجوي فوق المستشفيات، وهو أمر لم يعد مضمونًا في عصر الطائرات المسيرة الرخيصة والبعيدة المدى.

وتقول أوكرانيا إنها أصبحت تقدم دروسًا للناتو بدلًا من أن تكون مجرد متلقية للتدريب والمساعدة، إلا أن مسؤولين أوكرانيين يرون أن البيروقراطية العسكرية داخل الحلف تواجه صعوبة في استيعاب هذه الدروس. وقال ضابط أوكراني تلقى تدريبًا على العمليات النفسية في رومانيا إن بعض مواد التدريب في الناتو لا تزال تعتمد على دراسات حالة من الحرب العالمية الثانية.

باتريوت وبدائل أوروبية للدفاع الجوي

كشفت الحرب أيضًا عن ثغرة تتمثل في الدفاع الجوي والصاروخي، إذ أظهرت الضربات الروسية المتواصلة على المدن الأوكرانية اعتماد أوروبا على أنظمة أمريكية متقدمة مثل "باتريوت".

وتعاني أوكرانيا من نقص حاد في صواريخ باتريوت الاعتراضية، ما دفع أوروبا إلى البحث عن بدائل غير أمريكية خوفًا من تحول الاعتماد على المنظومة الأمريكية إلى نقطة ضعف استراتيجية. وتنتظر أوكرانيا منظومة الدفاع الجوي الفرنسية الإيطالية الجديدة SAMP/T-NG، المصممة لاعتراض الصواريخ الباليستية. وتعهدت فرنسا بتسريع نشرها في أوكرانيا، فيما كان متوقعًا وصولها بحلول الربيع المقبل.

وقالت وزارة الدفاع الأوكرانية إن قواتها وقوات الناتو لديها الكثير لتتعلمه من بعضها البعض، مشيدة باستخدام أوكرانيا للطائرات المسيرة والحرب الإلكترونية، وبالجهود الأوروبية لمواجهة الهجمات الروسية بالطائرات المسيرة والصواريخ. وفي يوليو، أطلقت أوكرانيا وتسع دول أوروبية حليفة تحالفًا للدفاع الجوي، يتضمن خططًا لتطوير منظومة جديدة مضادة للصواريخ الباليستية.

ويعرف المشروع باسم "فريا"، وهو اتحاد يضم نحو 12 شركة، مع شركة "فاير بوينت" شريكًا رئيسيًا من القطاع الخاص. ويهدف إلى تطوير منظومة أقل تكلفة وأسرع إنتاجًا من "باتريوت"، مع ضمان أن تكون أوروبا، وليس الولايات المتحدة، صاحبة السيطرة على تصنيعها. وقال شتيلرمان: "إذا أنفقت 20 مليار دولار على نظام الدفاع الجوي الخاص بك، فيجب أن تكون مستقلًا في أمنك".