رغم مضي أشهر على تصاعد المواجهات وتوجيه ضربات عسكرية متكررة واستهداف قيادات بارزة، يواصل المحور الذي تقوده إيران إثبات قدرة عالية على التكيف والصمود، وهو ما شكل مفاجأة للمحللين والاستراتيجيين، ولم تؤد الضربات المركزة إلى شلل هذه الجماعات، إذ واصل حزب الله خوض المواجهات وتثبيت وجوده، بينما كثفت الميليشيات العراقية هجماتها، واستأنف الحوثيون عملياتهم في الممرات المائية الحيوية.
هذا المشهد الميداني أظهر خللًا واضحًا في المراهنات التي افترضت أن توجيه ضربات مركزية لطهران وتجفيف مواردها السياسية والاقتصادية سيعجل بسقوط أذرعها الإقليمية، بناءً على مفهوم يشبّه المحور بالأخطبوط الذي يموت بفصل رأسه، حسب تحليل مطول نشرته Foreign Affairs.
من التبعية إلى الشبكية اللامركزية
يعود الفضل في هذا الصمود إلى التحول الهيكلي الذي طرأ على المحور خلال العقود الأخيرة، لم تعد العلاقة تبادلية بسيطة تعتمد على مسار واحد لتلقي الأوامر والسلاح من العاصمة الإيرانية كما كان عليه الحال قبل 20 عامًا، بل تحولت إلى منظومة شبكية متداخلة وذاتية التماسك.
وتعتمد هذه الشبكة على التشارك في المعرفة والموارد وآليات اتخاذ القرار عبر نقاط متعددة، مما يتيح التكيف السريع مع الخسائر البشرية والمادية، فعند استهداف قائد أو تدمير منشأة تصنيع أو قطع خط إمداد معين، تستجيب الشبكة بمرونة من خلال استبدال القيادات وسد الفجوات التقنية عبر بدائل محلية وإقليمية أعدت مسبقًا.
التطور التقني المستقل لحلفاء إيران
تدرجت عملية بناء القدرات العسكرية لدى حلفاء إيران من أسلحة تقليدية وتكتيكات عصابات إلى امتلاك تقنيات تصنيع متقدمة، خصوصًا في مجال الطائرات المسيرة والأنظمة الهجومية، وعلى مدى السنوات الماضية، نقل الحرس الثوري الإيراني خبرات التجميع والتصنيع إلى هذه الجماعات، وتمكنت عناصر مختلفة من إنشاء سلاسل إمداد خاصة بها تعتمد على التجار المحليين والشركات الوهمية والمهربين، ونتيجة لذلك، أصبحت أطراف المحور قادرة على إنتاج وتطوير مسيراتها الخاصة محليًا بفضل الاعتماد على مكونات مدنية وتكنولوجية متوفرة في الأسواق العالمية وبتكاليف زهيدة جدًا.
التمدد الإقليمي المتشابك
لم يقتصر نقل الخبرات على العلاقة الثنائية بين طهران وكل طرف، بل تحول إلى تعاون عابر للحدود بين الجماعات نفسها، فقد أصبحت بعض الأطراف المسلحة توفر التدريب والدعم التقني لجماعات أخرى داخل المنطقة وخارجها، ما أدى إلى توسيع قاعدة المعرفة العسكرية والهندسية، هذا التداخل جعل من الصعب عزله أو القضاء عليه من خلال استهداف نقطة واحدة، حيث باتت المهارات والمكونات متوفرة في بيئات متعددة تمتد من الشرق الأوسط إلى مناطق أخرى، ما أضفى على المحور صبغة شبكية تتجاوز الحدود الجغرافية التقليدية.
سلاسل التوريد البديلة
وواجه المحور العقوبات الاقتصادية وحظر الأسلحة بابتكار أساليب توريد معقدة تعتمد على التجارة المفتوحة ومكونات الاستخدام المزدوج، فمن خلال الاستفادة من منصات التجارة الإلكترونية العالمية والشركات المسجلة في ملاذات آمنة، تمكن الحلفاء من الحصول على المحركات والقطع الإلكترونية اللازمة لجمع المسيرات وتطويرها، وفي ظل صعوبة تتبع الحاويات التجارية التي تبحر يوميًا عبر البحار، أصبحت إجراءات الحظر والعقوبات التقليدية أقل فاعلية في الحد من التسلح، خاصة مع توفر بدائل تقنية لا تخضع لرقابة صارمة من الدول المصنعة.
أساليب التهريب الشراعي والأسطول الخفي
إلى جانب الطرق التجارية الحديثة، واصلت الشبكة استخدام أساليب التهريب التقليدية والمطورة عبر البحر، وتشمل هذه الأساليب الاعتماد على القوارب الصغيرة، إضافة إلى استخدام شبكات سفن الشحن المعروفة بالأسطول الخفي التي تعمد إلى إغلاق أجهزة التعريف وتغيير مساراتها للتمويه.
وتتيح هذه الشرايين البحرية نقل المعدات والأسلحة عبر نقاط ترانزيت متعددة وموانئ غير خاضعة لسيطرة حازمة، ما يضمن تدفقًا مستمرًا للموارد الأساسية ويحافظ على الجاهزية العسكرية للجماعات حتى في أثناء الأزمات الشديدة.
وتظهر الوقائع الميدانية أن الاعتماد الحصري على الضربات العسكرية والضغط المالي لم يحقق الهدف المتمثل في إنهاء تهديدات المحور أو تفكيكه، فالقدرة على امتصاص الضربات وإعادة البناء تعكس نضجًا تنظيمًا يجعل من الصعب تجريده من أسلحته بالكامل باستخدام الأدوات التقليدية فقط، ولهذا تشير القراءات الاستراتيجية إلى أن الاستمرار في النهج الحالي قد يجر المنطقة إلى دورات غير منتهاية من الاستنزاف دون الوصول إلى نتائج حاسمة.
نهج استراتيجي شامل للاحتواء
وتقتضي التطورات الراهنة الانتقال نحو استراتيجية أكثر شمولًا تعتمد على الاحتواء والدبلوماسية وتتبع الشبكات المالية والتقنية عبر التنسيق الدولي، يتطلب هذا المسار تقييد وصول المكونات ذات الاستخدام المزدوج، والتعاون مع القوى الدولية لضبط تجارة القطع الإلكترونية، إلى جانب فتح مسارات للتسويات السياسية التي تحد من دوافع الصراع، وفهم الطبيعة الجديدة لهذه الشبكة المعقدة هو الخطوة الأولى لتفادي المواجهات المفتوحة وبناء إطار إقليمي يحد من الانتشار التسليحي المستمر.











