تخوض القيادة الإيرانية مواجهة جيوسياسية بالغة التعقيد والتركيز مع الإدارة الأمريكية، مُنطلقةً من قناعة استراتيجية راسخة مفادها أن الاستمرار في ممارسة الضغوط العسكرية والاقتصادية سيجبر الولايات المتحدة في نهاية المطاف على الاستسلام والتراجع وقبول سيطرة طهران التامة على مضيق هرمز الحيوي لإمدادات الطاقة العالمية.
ويراهن المسؤولون وصناع القرار في إيران على أن عامل الوقت يلعب بشكل حاسم لصالحهم، ولا يتطلب الأمر في نظرهم نفس الصبر الملحمي الذي ميز المحطات التاريخية السابقة، وتستند هذه الرؤية الإيرانية إلى دراسة دقيقة ومتابعة حثيثة لتناقص المخزونات الاستراتيجية للأسلحة الأمريكية الرئيسية، وفي مقدمتها صواريخ الاعتراض الجوي المتطورة، إلى جانب علمهم الأكيد بأن خيار الحروب الممتدة والواسعة لم يعد يحظى بأي شعبية لدى الشارع الأمريكي المنهك من الأزمات الاقتصادية والتزامات واشنطن العسكرية الخارجية.
أوراق الضغط قبل الانتخابات الأمريكية
تُدرك إيران تمامًا أنه طالما يظل مضيق هرمز مغلقًا بدرجة كبيرة أمام حركة التجارة والملاحة الدولية، فإن أسعار الغاز والنفط والسلع الأساسية ستظل مرتفعة ومشتعلة في الأسواق العالمية، ما يشكل ورقة ضغط حاسمة ومباشرة قبيل انتخابات الكونغرس الأمريكي المرتقبة في شهر نوفمبر المقبل، ويتعاظم هذا الرهان في ظل إدراك طهران أن أي محاولة أمريكية لفتح المضيق باستخدام القوة العسكرية المباشرة ستكون مكلفة للغاية على الصعيدين المادي والبشري، وقد تتطلب في نهاية المطاف تدخلًا ميدانيًا عبر قوات برية أمريكية، وهو سيناريو تحاول واشنطن تجنبه بأي ثمن.
علاوة على ذلك، يستند المنطق الإيراني إلى قدرة حلفائها الحوثيين في اليمن على توسيع نطاق المواجهة العسكرية وتعطيل مسارات تجارية استراتيجية أخرى في باب المندب والبحر الأحمر، ما يُربك حسابات واشنطن وحلفائها ويضيق الخيارات المتاحة أمام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
استراتيجية إيران في مضيق هرمز
تسعى طهران إلى ترسيخ واقع جديد يمنحها الإدارة الفعلية والمشروعة لمضيق هرمز الذي يربط بينها وبين سلطنة عمان، وهو الممر الذي كان يشكل قبل اندلاع الحرب شريانًا مائيًا دوليًا مفتوحًا يعبر من خلاله نحو خُمس النفط والغاز المتداول في العالم. وتشترط القيادة الإيرانية لفتح هذا الممر المائي الاستراتيجي أن تقوم الولايات المتحدة بـ"تصحيح سلوكها" عبر إنهاء العمليات العسكرية بشكل كامل ونهائي، ورفع الحصار البحري المفروض على الموانئ الإيرانية، إضافة إلى سحب جميع قواتها العسكرية من المنطقة.
كما تتضمن الشروط الإيرانية تقديم تعويضات مالية شاملة عن الأضرار الناجمة عن الحرب، ورفع العقوبات الاقتصادية كافة، والإفراج الفوري وغير المشروط عن الأصول المالية المجمدة في الخارج، وفرض السيطرة الرسمية على هذا الجزء من المضيق يُمثل بالنسية لإيران نفوذًا هائلًا وفوزًا صريحًا يرسخ سيادتها ويمنحها رافعة استراتيجية للردع وإعادة تشكيل قواعد الأمن الإقليمي، بينما يشكل ضربة قاسية للمعايير الدولية المتعلقة بحرية الملاحة الدولية.
هامش المخاطرة المرتفع لاستراتيجية إيران
على الرغم من ثقة القيادة الإيرانية في استراتيجيتها، فإن هذا الرهان ينطوي على مخاطر جسيمة قد تؤدي إلى عواقب غير محسوبة، فالرئيس ترامب يلوح باستمرار بالضربات العسكرية الحاصلة التي ألحقت أضرارًا بالغة وقاسية بالقيادة العليا الإيرانية وبنيتها البحرية والجوية، بينما يتناوب بين لغة التهديد بالتصعيد والقول بأن المفاوضات تسير بشكل جيد، في المقابل، يرزح الاقتصاد الإيراني تحت وطأة أزمة خناقة جراء الحصار الأمريكي والعقوبات، إذ يعاني المواطنون من تضخم غذائي غير مسبوق وانهيار حاد في قيمة العملة الوطنية.
وقد أدت هذه الأوضاع الاقتصادية المتردية إلى إشعال احتجاحات شعبية حاشدة ومناهضة للحكومة، ردت عليها السلطات بحملات قمع واسعة أسفرت عن سقوط آلاف الضحايا، ويعبر العديد من المسؤولين والمعتدلين داخل إيران عن مخاوفهم من أن تؤدي المبالغة في الاستعراض العسكري والاستمرار في إغلاق النوافذ الدبلوماسية إلى انهيار اقتصادي كامل يجدد الاضطرابات الداخلية ويفتح الباب أمام موجات جديدة من التصعيد الخارجي.
السيناريوهات المستقبلية لحرب إيران
تظل الحرب الراهنة وتكتيكاتها المعقدة مفتوحة على الاحتمالات والتطورات غير المتوقعة، فقد أسهم الصراع في شحذ أنصار النظام الإيراني وتعزيز شرعيته الداخلية من خلال إظهار الصمود وعدم الانكسار أمام القوة الأمريكية والغربية، إلا أن هذا الصمود له حدود موضوعية ترتبط بمدى قدرة الشارع الإيراني على تحمل التبعات المعيشية الصعبة للحروب الممتدة.
ويُحذر مراقبون ومحللون سياسيون من أن استراتيجية كسر الإرادات لا يمكن الاستمرار فيها إلى الأبد، وأن التوصل إلى اتفاق سياسي ودبلوماسي متوازن مع الولايات المتحدة يظل خيارًا حتميًا في نهاية المطاف لتجنب سيناريوهات الانهيار أو المواجهة الشاملة، وبينما تراهن طهران على عدم تراجع مواقفها الصلبة في الوقت الراهن، تبقى القدرة على اقتناص الفرص الدبلوماسية المتاحة هي المعيار الحقيقي لتجنب انزلاق المنطقة نحو فوضى واسعة النطاق.













