شهدت المنطقة هذا الأسبوع منعطفًا استراتيجيًا إثر الضربات الإيرانية المباشرة على إسرائيل، والتي اعتبرت واحدة من أكثر محاولات طهران جرأة لإعادة رسم قواعد الاشتباك وحدود المواجهة التي أدارتها لعقود عبر الوكلاء والعمليات السرية.
ومن خلال هذا الاستهداف المباشر ، الذي جاء ردًا على الهجمات في لبنان، بعثت طهران برسالة واضحة تفيد بأن خطوطها الحمراء لم تعد تتوقف عند حدودها الوطنية فحسب، وأن قادتها على استعداد لتحمل مخاطر أكبر.
يأتي هذا التصعيد بعد سلسلة من الانتهاكات المتبادلة منذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران في 8 أبريل؛ حيث اتهمت طهران واشنطن وتل أبيب بتقويض الهدنة، لاسيما مع استمرار الضربات الأمريكية ضد أهداف إيرانية، وتكثيف إسرائيل لغاراتها في لبنان والتي بلغت نحو 3,500 ضربة طالت العاصمة بيروت.
ورغم أن إيران ردت سابقًا بضربات مدروسة ومحدودة ضد أهداف أمريكية وخليجية، مهددة بقطع طرق الملاحة الدولية، إلا أن ضربات هذا الأسبوع ضد إسرائيل مثلت تحولاً أعمق يهدف إلى كسر الجمود الدبلوماسي المحيط بمحادثات السلام المؤقتة ودعم حزب الله وتكريس معادلة ميدانية جديدة تمنع تل أبيب من استهداف طهران أو شبكة حلفائها الإقليميين.
تبدل الحسابات
يعكس هذا السلوك في الداخل الإيراني صعود جيل جديد من القادة يرى أن ما لا يمكن إدراكه بالدبلوماسية يمكن تحقيقه بالقوة.
وتجلى هذا التحول في تصريحات كبير المفاوضين الإيرانيين، محمد باقر قاليباف، الذي أكد بوضوح قلب معادلة وقف إطلاق النار التي كانت تنتهك على الأرض، مشددًا على استمرار الرد الإيراني طالما غابت الإرادة الحقيقية لبناء الثقة.
يعكس هذا الموقف تحولاً جذريًا في الحسابات الإيرانية؛ فبعد أن كانت طهران تلتزم برودود فعل متناسبة ومحسوبة بدقة في المحطات السابقة مثل قصفها لقاعدة "عين الأسد" الأمريكية عام 2020 ردًا على اغتيال قاسم سليماني، أو تعاملها مع الهجوم المشترك، في يونيو 2025، يبدو أن حساباتها الحالية قد تجاوزت سياسة "التوتر المنضبط".
وأشارت مصادر عسكرية إيرانية ومحللين سياسيين، إلى أن طهران تسعى اليوم إلى كسر القوالب النمطية وإحباط أي تقديرات أمريكية أو إسرائيلية تراهن على القدرة على توقع حدود الرد الإيراني أو فرض قيود عليه.
استغلال التصدعات
وعلى الصعيد الدبلوماسي، نجحت إيران في استغلال التصدعات والتباينات المتزايدة داخل التحالف الأمريكي الإسرائيلي بشأن نهاية الصراع، مستفيدة من الضغوط العلنية التي مارسها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو للقبول باتفاق دبلوماسي.
حيث دفعت الهجمات الإيرانية الأخيرة ترامب إلى التدخل السريع والتواصل المكثف مع نتنياهو لثنيه عن الرد الانتقامي، تجنبًا لتوسيع حدة الصراع.
الأمر الذي يمنح طهران ورقة ضغط سياسية جديدة لفرض واقع عرفي جديد في المنطقة، ووضع واشنطن في مأزق حقيقي يجبرها على الاختيار بين دعم حرية العمل العسكري لإسرائيل أو الحفاظ على المسار الدبلوماسي مع إيران.
انهيار الهدنة
وفي أكبر تصعيد منذ هدنة أبريل، شن الحرس الثوري الإيراني هجمات على قاعدة أمريكية بالأردن و21 هدفًا بالخليج شملت الكويت والبحرين، ردًا على ضربات أمريكية استمرت 4 ساعات واستهدفت 20 موقعًا إيرانيًا بمحيط مضيق هرمز ومواقع كـ "قشم" و"سيريك"، إثر إسقاط مروحية "أباتشي" تابعة لواشنطن، وهو الرد الذي وصفه ترامب بـ "القوي والحاسم".
لم يقتصر الرد الإيراني على استهداف دول الجوار الخليجي الحاضنة للقواعد الأمريكية، بل امتد لقطع حركة المرور تقريبًا في مضيق هرمز، الشريان الحيوي لنقل النفط والغاز، ما أدى لارتفاع أسعار النفط وتراجع الذهب لأدنى مستوى في 11 أسبوعًا، وسط مخاوف من أن يستمر هذا التصعيد العنيف في تعميق الشكوك حول فرص التوصل لاتفاق ينهي الحرب.













