في خضم المخاوف المتجددة بشأن الأمن العالمي، وتحديدًا في أعقاب الغزو الروسي لأوكرانيا، يشهد حلف شمال الأطلسي (الناتو) تحولًا ماليًا وتاريخيًا غير مسبوق بعد سنوات من نقص التمويل.
وتكشف أحدث البيانات الصادرة عن الحلف لعام 2025 عن مشهد مالي ضخم بلغ فيه إجمالي الإنفاق الدفاعي 1.59 تريليون دولار، غير أن هذا الرقم الكبير يخفي خلفه مفارقة صارخة حول توازن القوى داخل التحالف، فبينما يحتفل الأعضاء بتحقيق هدف الإنفاق المشترك، لا تزال الولايات المتحدة تغرد منفردة في سرب آخر تمامًا، متحملة العبء الأكبر بفارق فلكي عن أقرب حلفائها.
العمود الفقري.. واشنطن تدفع الفاتورة
تُظهر الأرقام التقديرية لعام 2025 أن الولايات المتحدة لا تزال تمثل العمود الفقري للقوة العسكرية للناتو بلا منازع.
فبإنفاق دفاعي يقدر بـ 980 مليار دولار، تستحوذ واشنطن وحدها على ما يقرب من 62% من إجمالي ميزانية الدفاع للحلف. هذا الرقم لا يمثل مجرد أموال تُضخ، بل يُترجم إلى قدرات هائلة تتراوح بين أنظمة الأسلحة المتقدمة والقدرة على عرض القوة العالمية، وهو ما يتجاوز بكثير قدرات أي عضو آخر.
هذه الهيمنة المالية تضع الولايات المتحدة في كفة، وباقي أعضاء الحلف الثلاثين في كفة أخرى، مما يبرز الفوارق الحادة في الحجم والقدرة، رغم الجهود الأوروبية المتصاعدة لردم هذه الهوة.
الصحوة الأوروبية.. نهاية عصر «ضبط النفس»
على الجانب الآخر من الأطلسي، يبدو أن القارة العجوز قد استيقظت على واقع جديد. ففي عام 2025، تشير التقديرات إلى أن جميع أعضاء الناتو قد التزموا بإنفاق ما لا يقل عن 2% من ناتجهم المحلي الإجمالي على الدفاع، وهو تسارع ملحوظ في الاستثمار العسكري جاء كرد فعل مباشر على التهديدات الأمنية المتصاعدة.
وفي مقدمة هذا التحول تأتي ألمانيا، التي سجلت تحولًا تاريخيًا مبتعدة عن عقود من «ضبط النفس» العسكري. فوفقًا لأحدث البيانات المتاحة (التي تعود لعام 2024)، بلغ إنفاق برلين 93.7 مليار دولار، مما يضعها في صدارة المنفقين الأوروبيين. تليها المملكة المتحدة بإنفاق يقدر بـ 90.5 مليار دولار، ثم فرنسا التي خصصت 66.5 مليار دولار لميزانيتها الدفاعية. هذه الأرقام تعكس رغبة القوى الأوروبية الكبرى في تحمل مسؤولية أكبر، وإن كانت لا تزال بعيدة عن الرقم الأمريكي.
الجبهة الشرقية.. بولندا في خط المواجهة
لم يكن التحول قاصرًا على القوى التقليدية في الغرب الأوروبي؛ ففي الشرق، حيث التهديد يبدو أقرب وأكثر إلحاحًا، برزت بولندا كلاعب رئيسي بإنفاق بلغ 44.3 مليار دولار. يعكس هذا الرقم الكبير، مقارنة بحجم الاقتصاد البولندي، موقع وارسو كدولة مواجهة، ومخاوفها الأمنية المتزايدة التي دفعتها لتعزيز قدراتها الدفاعية بشكل كبير.
وفي السياق ذاته، تبرز مساهمة دول البلطيق (إستونيا، لاتفيا، وليتوانيا). ورغم أن إنفاق كل منها يقل عن 4 مليارات دولار بالقيمة المطلقة، إلا أنها تقدم واحدًا من أقوى الالتزامات داخل الحلف عند قياس الإنفاق كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، مما يؤكد أن الشعور بالخطر هو المحرك الأساسي لفتح الخزائن.
أرقام تعكس تباين القدرات
عند النظر إلى القائمة الكاملة لأعلى المنفقين، تتضح الفوارق في القدرات بين الأعضاء. فبعد الخمسة الكبار (أمريكا، ألمانيا، بريطانيا، فرنسا، إيطاليا التي أنفقت 48.8 مليار دولار)، تأتي كندا بـ 43.9 مليار دولار، وتركيا التي تلعب دورًا استراتيجيًا بـ 32.6 مليار دولار.
وتتدرج القائمة لتشمل إسبانيا (35.7 مليار دولار)، وهولندا (28.1 مليار دولار)، والنرويج (16.5 مليار دولار)، والسويد (15.2 مليار دولار)، والدنمارك (14.3 مليار دولار)، وبلجيكا (13.7 مليار دولار)، وصولًا إلى رومانيا بـ 9.3 مليار دولار. ورغم تفاوت الأرقام المطلقة، إلا أن الجامع المشترك هو التزام الجميع بعتبة الـ 2%، وهو إنجاز جماعي يعكس وحدة الهدف في مواجهة التحديات.
في المحصلة، يرسم عام 2025 صورة لحلف ناتو أكثر تسلحًا وتمويلًا من أي وقت مضى، مدفوعًا بضرورات الحرب في أوكرانيا. لكن خلف قناع الوحدة المالية هذا، تظل الحقيقة الجوهرية ثابتة، فالحلف هو تحالف من دول عديدة، لكنه يعتمد في قوته الضاربة وتمويله الأساسي على عملاق واحد يقع عبر المحيط، يدفع وحده أكثر مما يدفعه الجميع مجتمعين.













