أعلنت الولايات المتحدة، عزمها المضي قدمًا في إطلاق المرحلة الثانية من خطتها الرامية إلى إنهاء الحرب في قطاع غزة، في خطوة أثارت تساؤلات واسعة، خاصة أن العناصر الجوهرية للمرحلة الأولى لم تتحقق بالكامل حتى الآن، وعلى رأسها وقف إطلاق النار الشامل بين إسرائيل وحركة حماس.
تعثر المرحلة الأولى وسط تصعيد ميداني
وكان من المفترض أن تشكل المرحلة الأولى أساسًا متينًا للانتقال إلى المراحل اللاحقة، إلا أنها تعرضت لاهتزازات كبيرة بفعل عدة عوامل، من بينها استمرار الغارات الجوية الإسرائيلية التي أسفرت عن مقتل مئات الفلسطينيين في قطاع غزة، إلى جانب عدم إعادة رفات آخر رهينة إسرائيلي حتى اللحظة، فضلًا عن التأخيرات الإسرائيلية المتكررة في إعادة فتح معبر رفح الحدودي مع مصر، ما فاقم الأزمة الإنسانية.
المرحلة الثانية.. ملفات أكثر تعقيدًا
ومع الانتقال إلى المرحلة الثانية، تواجه الولايات المتحدة وشركاؤها في الوساطة تحديات أكثر حساسية وتعقيدًا، أبرزها مسألة نزع سلاح حركة حماس، إضافة إلى فكرة نشر قوة دولية لحفظ السلام في القطاع، وهو طرح يواجه اعتراضات سياسية وأمنية من أطراف عدة.
وجاء الإعلان عن المرحلة الثانية على لسان المبعوث الخاص للرئيس الأميركي دونالد ترامب، ستيف ويتكوف، الذي قال في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي إن هذه المرحلة “تؤسس لإدارة فلسطينية تكنوقراطية انتقالية في غزة”، على أن تترافق مع بدء عملية نزع السلاح وإعادة الإعمار، في إطار زمني تدريجي.
تشكيل لجنة فلسطينية تكنوقراطية
وبحسب بيان مشترك صادر عن الوسطاء مصر وقطر وتركيا، فإن المجلس الفلسطيني الجديد سيتألف من 15 عضوًا، وسيرأسه علي شعث، نائب الوزير السابق في السلطة الفلسطينية، الذي تولى سابقًا ملف تطوير المناطق الصناعية، وتضم اللجنة شخصيات من خلفيات اقتصادية وإدارية وأمنية، في محاولة لإظهار طابع غير فصائلي يعتمد على الكفاءة الفنية.
مجلس السلام الدولي ودوره المرتقب
كانت إسرائيل وحماس قد وافقتا في أكتوبر الماضي على خطة ترامب، التي تنص على خضوع الهيئة الفلسطينية التكنوقراطية لإشراف “مجلس السلام” الدولي، وهو كيان من المفترض أن يدير شؤون غزة خلال فترة انتقالية، ووفق معلومات حصلت عليها وكالة رويترز، تضم قائمة الأسماء شخصيات من القطاع الخاص والمنظمات غير الحكومية، اختير بعضهم من قبل نيكولاي ملادينوف، المبعوث الأممي السابق إلى الشرق الأوسط، المتوقع أن يمثل مجلس السلام ميدانيًا.
في المقابل، لم يكشف ويتكوف عن العدد النهائي لأعضاء الهيئة أو عن أسمائهم بشكل رسمي، فيما أشار دبلوماسي أوروبي إلى أن إعلانًا إضافيًا يتعلق بمجلس السلام قد يصدر خلال المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس الأسبوع المقبل.
أولويات اللجنة.. الإغاثة وإزالة الأنقاض
في تصريحات إذاعية، أوضح علي شعث أن اللجنة ستركز في مرحلتها الأولى على تقديم الإغاثة العاجلة لسكان غزة، خاصة توفير المأوى للفلسطينيين النازحين، الذين يعيش عدد كبير منهم في خيام مؤقتة وسط الدمار الواسع، وطرح شعث أفكارًا غير تقليدية للتعامل مع الركام، من بينها استخدام الجرافات لدفع الأنقاض نحو البحر وإنشاء جزر وأراضٍ جديدة، معتبرًا أن هذه العملية قد تستغرق نحو ثلاث سنوات فقط.
لكن تقارير الأمم المتحدة تبدو أكثر تشاؤمًا، إذ أشار تقرير صدر عام 2024 إلى أن إعادة بناء المنازل المدمرة في غزة قد تمتد حتى عام 2040 على الأقل، مع احتمال استمرار عملية الإعمار لعقود طويلة في ظل حجم الدمار الهائل والبنية التحتية المنهارة.
نزع السلاح… العقدة الأصعب
وأكد ويتكوف أن المرحلة الثانية تشمل “النزع الكامل للسلاح وإعادة إعمار غزة”، مشددًا على ضرورة نزع سلاح جميع الأفراد غير المصرح لهم، غير أن هذا البند يظل الأكثر إشكالية، إذ وافقت حماس في أكتوبر على تسليم الحكم للجنة التكنوقراطية، لكنها تواصل رفضها التخلي عن سلاحها، مؤكدة أنها أعادت تنظيم صفوفها منذ بدء وقف إطلاق النار الهش.
وفي الضفة الغربية، رحبت السلطة الفلسطينية بالتحرك الأميركي، حيث أعلن نائب الرئيس الفلسطيني حسين الشيخ، في بيان عبر منصة “إكس”، دعم السلطة للجنة التكنوقراطية، داعيًا إلى ربط مؤسسات غزة بتلك التابعة للسلطة في الضفة الغربية، مع التأكيد على مبدأ “نظام واحد وقانون واحد وسلاح شرعي واحد”.
محادثات القاهرة وضغوط الوساطة
تزامن الإعلان الأميركي مع وجود قادة من حماس وفصائل فلسطينية أخرى في القاهرة لإجراء محادثات حول المرحلة الثانية، حيث كان من المتوقع أن يلتقي أعضاء اللجنة التكنوقراطية مع نيكولاي ملادينوف، ووفق مصادر مصرية، فإن المحادثات تركز بشكل أساسي على ملف نزع سلاح حماس، في ظل ربط إسرائيل أي انسحابات إضافية لها داخل غزة بتحقيق تقدم في هذا الملف.
قائمة الأعضاء وتوافق نادر
وأفادت مصادر فلسطينية بأن حركتي حماس وفتح، بقيادة الرئيس محمود عباس، قد وافقتا على قائمة أعضاء اللجنة، التي تضم شخصيات مثل رئيس غرفة تجارة غزة عايد أبو رمضان، وعمر شمالي العامل السابق في شركة الاتصالات الفلسطينية، إضافة إلى سامي نصمان، وهو ضابط أمن متقاعد بارز وناقد شديد لحماس، ينتمي إلى حركة فتح ويقيم في الضفة الغربية منذ عام 2007.
وفي ختام المشهد، لم يصدر أي تعليق فوري من المسؤولين الإسرائيليين بشأن إطلاق المرحلة الثانية أو تشكيل اللجنة الفلسطينية، ما يترك مستقبل الخطة الأميركية مرهونًا بتوازنات سياسية وأمنية شديدة التعقيد، قد تحدد مصير غزة في السنوات المقبلة.
اقرأ أيضًا:
وزير الدفاع الأوكراني يكشف أرقامًا مقلقة عن التهرب من الخدمة














