يشكّل تطور الدور السعودي عربيا ملحمة دبلوماسية ممتدة لأكثر من تسعة عقود، انتقلت خلالها المملكة من مرحلة تثبيت أركان الدولة ودعم الاستقلال إلى مرحلة "الريادة الاستراتيجية" التي تقود قاطرة الاقتصاد والأمن الإقليمي.
بدأت ملامح هذا التطور منذ عهد الملك المؤسس عبدالعزيز آل سعود، الذي وضع حجر الأساس للدبلوماسية العربية بتأسيس جامعة الدول العربية عام 1945 كدولة مؤسسة، مؤمنًا بأن وحدة الصف هي الضمانة الوحيدة لحماية المكتسبات الوطنية في ظل التحولات العالمية الكبرى عقب الحرب العالمية الثانية.
وتؤكد الشواهد التاريخية أن القضية الفلسطينية ظلت "حجر الزاوية" في سياسة الرياض الخارجية، حيث لم تتبدل مواقفها رغم تقلبات الزمن.
ويشير الكاتب إبراهيم النحاس في مقال لصحيفة "الرياض" أن لقاء الملك عبدالعزيز بالرئيس الأمريكي روزفلت عام 1945 على متن الطراد "كونسي" كان أولى ثمار تطور الدور السعودي عربيا؛ حيث انتزع الملك وعدًا تاريخيًا بعدم اتخاذ قرار بشأن فلسطين دون استشارة العرب، وهو ما أسس لعقيدة سياسية سعودية تضع الحقوق الفلسطينية فوق كل اعتبار، وصولًا إلى مبادرة السلام العربية (2002) التي لا تزال المرجع العالمي الوحيد للحل العادل.
مراحل التحول في تاريخ تطور الدور السعودي عربيا
مرّت السياسة السعودية بثلاث محطات رئيسية صاغت شكل المنطقة، أولها "مرحلة الدعم التقليدي" التي ركزت على مساندة استقلال الدول العربية مثل سوريا ولبنان والجزائر، ثم جاءت "مرحلة ما بعد 2011" التي شهدت انخراطًا أعمق في ملفات الأمن القومي لمواجهة تصاعد التهديدات الإقليمية، وصولاً إلى "مرحلة إعادة التموضع" (2019-الآن)، حيث شهد تطور الدور السعودي عربيا قفزة نحو "الواقعية السياسية" وربط الأمن بالاقتصاد، مما جعل من الرياض "بيت العرب" الذي يجمع الفرقاء ويقود وساطات إنهاء الحروب الأهلية.
ويذكر المحلل طارق أبو زينب أن هذا التطور تجلى بوضوح في "اتفاق الطائف" عام 1989، الذي أنهى الحرب الأهلية اللبنانية، و"اتفاق مكة" (2007) لرأب الصدع الفلسطيني، وصولًا إلى "اتفاق الرياض" (2019) لتوحيد الصف اليمني.
تؤكد هذه المبادرات أن تطور الدور السعودي عربيا لم يكن عفويًا، بل نتاج حكمة سياسية تفضل الحلول الدبلوماسية وتعمل على "رأب الصدع" بعيدًا عن سياسة المحاور والتشرذم، وهو ما عزز مكانتها كدولة محورية تحفظ التوازن في إقليم مضطرب.
رؤية 2030 كقاطرة لتصفير الأزمات
دخلت المملكة في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي العهد الأمير محمد بن سلمان مرحلة "تصفير الأزمات" كنهج استراتيجي ثابت.
وبحسب الموقع الرسمي لـ "رؤية المملكة 2030"، فإن نجاح التحول الوطني الداخلي يتطلب بيئة إقليمية مستقرة، ومن هنا، قادت المملكة "اتفاق العلا" (2021) لطوي صفحة الخلاف الخليجي، وجهود عودة سوريا للجامعة العربية (2023)، ووساطة "مبادرة جدة" لوقف نزيف الدم في السودان.
ويعكس هذا الجانب من تطور الدور السعودي عربيا الرغبة في تحويل الشرق الأوسط إلى "أوروبا الجديدة" عبر التنمية لا الصراعات.
ويشير المحلل السياسي أحمد نصير، أن المملكة أصبحت "العمود الفقري" للعمل العربي المشترك، حيث انتقلت من مجرد "داعم مالي" إلى "قائد استراتيجي" يطرح مبادرات عالمية، مثل "التحالف العالمي لتنفيذ حل الدولتين" الذي شاركت فيه 90 دولة ومنظمة.
ويبرهن هذا الحراك على أن تطور الدور السعودي عربيا اليوم يستند إلى "قوة ناعمة" هائلة وقدرة على تنسيق المواقف الدولية، مما جعل الرياض وجهة سياسية وقبلة دبلوماسية لا يمكن تجاوزها في صياغة أي نظام إقليمي مستقبلي.
الاستقرار الجيواقتصادي في تطور الدور السعودي عربيا
تلاقت الرؤية السياسية السعودية مع مصالح الأمن القومي العربي في ملفات حيوية مثل أمن البحر الأحمر ومكافحة الإرهاب.
ووفقًا للمحلل عبدالسلام الخضراوي في مقاله لصحيفة "البلاد"، فإن السعودية أثبتت أنها "درع العروبة" الأول عبر قيادة التحالف الإسلامي العسكري لمحاربة الإرهاب الذي يضم 42 دولة.
كما أن تطور الدور السعودي عربيا شمل الجانب الاقتصادي عبر دعم صناديق التنمية والمؤسسات الإنمائية العربية، مما حول المملكة من مانح للمساعدات التقليدية إلى شريك في بناء البنى التحتية والمشاريع اللوجستية التي تربط القارات الثلاث.
ولم يقتصر هذا الدور على السياسة، بل امتد لقطاع الطاقة، حيث تستخدم المملكة ثقلها في "أوبك بلس" لضمان استقرار الأسواق العالمية، مما ينعكس إيجابًا على اقتصاديات الدول العربية غير النفطية.
ويؤكد المحلل زيد الأيوبي، أن السياسات السعودية الحكيمة ترفعت عن السجالات السياسية الضيقة لصالح "المصالح العليا" للأمة، وهو ما يفسر نجاح المملكة في قيادة قمم استثنائية عربية إسلامية لحماية غزة ولبنان، وتوحيد الموقف العربي تجاه العدوان الإسرائيلي بصرامة ووضوح.
الرياض كقلب للشرق الأوسط الجديد
يثبت تاريخ تطور الدور السعودي عربيا أن المملكة لم تكن يومًا تبحث عن نفوذ عابر، بل كانت ولا تزال تسعى لتحقيق "السلام العادل" والاستقرار الدائم.
وتعد التحولات التي تقودها الرياض اليوم، من تطوير المساجد التاريخية إلى إطلاق المشاريع الفضائية والتقنية، وجهًا جديدًا لريادة عربية شاملة.
وبفضل رؤية 2030، أصبح تطور الدور السعودي عربيا مرادفًا لـ "النهضة الشاملة"، حيث تقف المملكة كقائدة للأمة، تحمي أمنها، وتداوي جروحها، وترسم ملامح مستقبل مشرق يتسم بالوسطية والاعتدال والازدهار الاقتصادي.
وما تشهده المنطقة اليوم هو ثمرة قرن من الالتزام السعودي بالثوابت، ممزوجًا ببراعة في التعامل مع أدوات العصر الحديث.
ومع استمرار هذا الزخم، يظل الدور السعودي هو الضمانة الحقيقية لاستقرار المنطقة، مؤكدًا أن المملكة، بقيادتها وشعبها، ستظل "خيمة العرب" التي لا تنهار، والقلب النابض لمشروع حضاري عربي جديد يتسع للجميع ويحقق آمال الأجيال القادمة في العيش بأمان ورخاء.














