لم يعد الدفع في السعودية يستدعي فتح المحفظة وعدّ الأوراق النقدية. نقرة على هاتف أو تمريرة بطاقة تكفي لإتمام عملية الشراء، من فنجان قهوة الصباح إلى فواتير التسوق الكبرى.

ويعكس الرقم الرسمي حجم هذا التحول: كشف البنك المركزي السعودي (ساما) في أبريل 2026 أن المدفوعات الإلكترونية سجّلت 85% من إجمالي عمليات الدفع المنفذة في قطاع التجزئة (الأفراد) بنهاية 2025، ارتفاعًا من 79% في 2024 و70% في 2023، فيما بلغ عدد العمليات الإلكترونية 14.6 مليار عملية خلال 2025 مقابل 12.6 مليارًا في العام السابق.

أرقامًا على شاشة ليس أوراقًا في الجيب

رقم آخر يقيس زاوية مختلفة من المشهد: بحسب نتائج مسح نفاذ واستخدام تقنية المعلومات والاتصالات للأسر والأفراد لعام 2026، التي أعلنتها الهيئة العامة للإحصاء في الأول من نوفمبر 2026، يشتري 74.5% من مستخدمي الإنترنت في المملكة السلع والخدمات عبر الإنترنت، وترتفع النسبة بين مستخدمي الإنترنت السعوديين إلى 84.9%. وبين الرقمين المتقاربين فرقٌ جوهري: الأول يقيس حصة وسيلة الدفع، والثاني يقيس انتشار التسوق الإلكتروني، والجمع بينهما يصف سوقًا يتعامل فيها الناس مع المال بوصفه أرقامًا على شاشة أكثر منه أوراقًا في الجيب.

ماذا يفعل غياب النقد بإحساسنا؟

يطلق باحثو الاقتصاد السلوكي على الظاهرة اسم «ألم الدفع» : تسليم النقود باليد يولّد إحساسًا ملموسًا بالخسارة يجعلنا نتردد، بينما يخفّ هذا الإحساس كثيرًا حين يغادر المال حسابنا دون أن نلمسه.

وفي تجربة شهيرة أجراها الباحثان درازن بريلك ودانكن سيمستر من معهد ماساتشوستس للتقنية ونُشرت سنة 2001، أبدى المشاركون استعدادًا لدفع مبالغ أعلى بوضوح عندما كان الدفع ببطاقة ائتمان مقارنة بالنقد، وتجاوزت عروضهم في مزاد على تذاكر رياضية ضعف العروض النقدية في بعض الحالات.

وبعد أكثر من عقدين، جمعت مراجعة تحليلية شاملة نُشرت سنة 2024 نتائج 71 دراسة امتدت لأربعين عامًا، وخلصت إلى ما سمته «الأثر اللانقدي»: المستهلكون ينفقون أكثر في المتوسط عند استخدام وسائل الدفع غير النقدية مقارنة بالنقد. لكن المراجعة نفسها تضع تحفظين مهمين: الأثر أقوى في مشتريات الاستعراض والمظهر، وهو يضعف مع مرور الوقت وتعوّد الناس على الوسائل الجديدة. كما أن هذه النتائج متوسطات إحصائية لا حكمًا على كل فرد، ولا تلغي أثر عوامل أخرى كالدخل والعروض وسهولة التسوق ذاتها.

الدفع اللاتلامسي

القهوة، التطبيق، الوجبة السريعة، الاشتراك الشهري.. مشتريات صغيرة لا يبدو أيٌّ منها وحده مؤثرًا، لكن سرعة الدفع اللاتلامسي تزيل «لحظة الاحتكاك» التي كانت تجعلنا نعيد التفكير. وبحسب بحث نشره بنك هولندا المركزي (DNB) اعتمد على مسح لنحو 2500 مستهلك، يرى الناس أن النقد هو الوسيلة الأكثر مساعدة على تجنّب الإفراط في الإنفاق، بينما يأتي الدفع اللاتلامسي في المرتبة الأقل مساعدة. وحين تقل المصاحبة الحسية للإنفاق، يصبح تتبّع مجموع ما خرج من الحساب خلال الشهر أصعب، وتظهر المفاجأة في كشف نهاية الشهر.

الوجه الآخر: أدوات تتبع أسرع

لا يعني ذلك أن التحول الرقمي خصمٌ للميزانية؛ فالتطبيقات المصرفية والمحافظ الرقمية تتيح اليوم أدوات تجعل تتبع الإنفاق أسرع وأدق من جمع الإيصالات الورقية: إشعارات فورية بكل عملية، وكشوف لحظية، وتصنيف تلقائي للمصاريف، وحدود إنفاق يمكن ضبطها على البطاقة، بحسب ما يوفره كل بنك أو تطبيق. الفارق أن الانضباط لم يعد يعتمد على إحساس اليد بالنقود وهي تنفد، بل على قراءة هذه البيانات واستخدام الأدوات المتاحة بوعي.

خطوات تساعد على استعادة لحظة التوقف قبل الشراء:

١- مراجعة أسبوعية قصيرة لكشف الحساب، مع تجميع المشتريات الصغيرة في بند واحد لمعرفة كلفتها الشهرية الحقيقية.

٢- تفعيل الإشعارات الفورية وحدود الإنفاق على البطاقات والمحافظ، حيثما تتاح.

٣- قاعدة الانتظار: تأجيل الشراء غير المخطط مدة كافية قبل إتمامه، وتقترح أدبيات الإدارة المالية أربعًا وعشرين ساعة مثالًا؛ فالفاصل الزمني فرصة لمراجعة القرار بهدوء بعيدًا عن لحظة الاندفاع.

٤- تخصيص مبلغ ثابت للمصاريف الصغيرة، في حساب منفصل أو محفظة فرعية، كي يبقى لها سقف محسوس.

٥- إعادة النظر في حفظ بيانات البطاقة داخل المتاجر والتطبيقات؛ فالشراء بنقرة واحدة مصمَّم ليكون الأسهل، وجعله أبطأ قليلًا يعيد فرصة التفكير.

بين الرقمين، 85% لحصة المدفوعات الإلكترونية و84.9% لانتشار التسوق عبر الإنترنت بين السعوديين مستخدمي الإنترنت، يكاد الدفع الإلكتروني يصبح الوضع الافتراضي في حياتنا اليومية.

والسؤال الذي تطرحه الأبحاث ليس هل ندفع إلكترونيًا أم نقدًا، بل كيف نحافظ، في غياب الورقة النقدية، على لحظة التوقف التي نسأل فيها أنفسنا: هل أحتاج هذا حقًا؟