قد يتردد بعض المستهلكين في شراء الذرة أو استخدام زيت الكانولا إذا عرفوا أن مصدرهما محصول معدل جينيًا. فالقلق لا يتعلق بطعم الطعام أو قيمته الغذائية وحدهما، وإنما باحتمال أن يحمل التعديل الوراثي خطرًا خفيًا، أو أن يؤدي تناول هذه المنتجات إلى الإصابة بالسرطان.

انتشرت هذه المخاوف بالتوازي مع جدل علمي أثارته دراسات ربطت بين الأغذية المعدلة جينيًا وظهور الأورام لدى الحيوانات. لكن مراجعة هذه النتائج تكشف فارقًا أساسيًا بين رصد ظاهرة داخل تجربة محددة وإثبات أن الغذاء هو سببها. وحتى الآن، لا تقدم الأدلة الواردة في المصادر العلمية ما يثبت أن تناول هذه الأغذية يزيد خطر الإصابة بالسرطان.

دراسة أثارت القلق ولم تحسم الأمر

جاء جانب من المخاوف بعد نشر دراسة بحثت في العلاقة بين الأغذية المعدلة جينيًا ونشوء الأورام لدى الفئران. وسرعان ما تحولت نتائجها إلى مادة يستند إليها من يحذرون من هذه المنتجات، رغم الانتقادات التي طالت الطريقة التي أُجريت بها التجربة.

وفي تعليق علمي نشره الباحث إل زد جي تويز، أشار إلى أن الدراسة استخدمت فئرانًا لديها استعداد وراثي مرتفع لتكوين الأورام، وشاب تصميمها قصور في ضبط العوامل التي يمكن أن تؤثر في النتائج. كما انتقد طريقة التحليل الإحصائي، ورأى أن هذه المشكلات تجعل النتائج غير صالحة لإثبات علاقة سببية بين الأغذية المعدلة جينيًا والسرطان.

وتوضح هذه الحالة لماذا لا تكفي نتيجة بحثية واحدة لتغيير ما يعرفه العلماء عن مخاطر الغذاء. فالتجربة تحتاج إلى تصميم سليم، وتحليل موضوعي، ونتائج يمكن لباحثين آخرين تكرارها. وإذا لم تستوفِ هذه الشروط، فلا يصح التعامل مع نتائجها باعتبارها حقيقة محسومة.

وتزداد خطورة الخلل حين تنتقل نتائج دراسة مثيرة للجدل من الأوساط العلمية إلى الجمهور، وتتحول إلى نصائح تدعو إلى الامتناع عن أطعمة بعينها، أو توحي بأن تجنبها يقي من السرطان.

ماذا يغير التعديل الجيني؟

تبدأ القصة من فهم طبيعة هذه التقنية. فمنذ قرون، اختار البشر النباتات والحيوانات التي تحمل صفات مرغوبة، ثم عملوا على تكثيرها للحصول على محاصيل أفضل أو إنتاج أكبر. وجاءت التقنيات الحديثة لتتيح تعديل صفات وراثية محددة بسرعة أكبر.

يستهدف العلماء، مثلًا، جعل النباتات أكثر مقاومة للأمراض، أو أكثر قدرة على تحمل الظروف الجوية، أو أعلى إنتاجًا. ولا يعني تعديل جينات النبات أن تناول محصوله يؤدي إلى تغيير جينات الإنسان. كذلك، لا توجد أدلة في المواد العلمية المستعرضة تثبت أن هذه الأغذية تُدخل تغييرات وراثية إلى جسم المستهلك تؤدي إلى السرطان.

وتُستهلك منتجات معدلة جينيًا منذ عقود، ويُستخدم بعضها في تصنيع أغذية أخرى أو إنتاج زيوت ومكونات تدخل في الأطعمة المصنعة. وتشير المصادر إلى أن هذه المنتجات تخضع للفحص والرقابة في دول مختلفة.

وفي بريطانيا، لا يُسمح ببيع الأغذية المعدلة جينيًا إلا إذا استوفت شروط السلامة الصحية، ولم تتضمن بيانات مضللة للمستهلك، ولم تقل قيمتها الغذائية عن نظيرتها غير المعدلة. ولا تعني هذه الضوابط أن كل منتج غذائي آمن دون فحص، وإنما تؤكد ضرورة تقييم المنتجات بالأدلة بدل الحكم عليها لمجرد استخدام التعديل الجيني.

أين تكمن مخاطر السرطان المعروفة؟

لا يعني غياب دليل يربط الأغذية المعدلة جينيًا بالسرطان أن الغذاء لا يؤثر في احتمالات الإصابة. فالأبحاث حددت عوامل ترتبط بمخاطر السرطان، منها التدخين والكحول والسمنة واللحوم المصنعة والتعرض للأشعة فوق البنفسجية وبعض أنواع العدوى، ومنها فيروس الورم الحليمي البشري.

وتشير أخصائية التغذية البحثية إرما ليفي، العاملة في مركز إم دي أندرسون للسرطان، إلى أهمية النظام الغذائي المتوازن في تقليل المخاطر. ويشمل ذلك الإكثار من الخضراوات والفواكه والحبوب الكاملة والبقول، والحد من اللحوم الحمراء والمصنعة والكحول والأطعمة الغنية بالسكر والدهون والملح.

والمغزى أن تقييم مخاطر الطعام لا يستقيم باختزالها في مكوّن واحد، أو افتراض أن كل ما خضع لتعديل جيني يشكل تهديدًا للصحة. فالنمط الغذائي العام والعوامل التي ثبت ارتباطها بالسرطان أكثر أهمية من الخوف من تقنية لم يثبت أنها تسبب المرض.

لا يمنع الامتناع عن الأغذية المعدلة جينيًا الإصابة بالسرطان، كما لا يغني تناولها عن اتباع نظام غذائي متوازن. والفارق بين المعلومة والشائعة يبدأ من سؤال بسيط، هل تدعم الأدلة الادعاء، أم أن تكراره هو ما منحه مظهر الحقيقة؟