يشهد قطاع السياحة الفضائية نموًا متسارعًا مع توسع الاستثمارات الخاصة وتطور تقنيات الرحلات الفضائية التجارية، بعدما ظل السفر إلى الفضاء لسنوات طويلة مقتصرًا على الحكومات وعدد محدود من الأثرياء.
وبحسب تقرير حديث لشركة "Precedence Research"، بلغ حجم سوق السياحة الفضائية عالميًا نحو 1.36 مليار دولار في عام 2025، ومن المتوقع أن يرتفع إلى 1.58 مليار دولار في 2026، ثم يصل إلى نحو 5.94 مليار دولار بحلول عام 2035، بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 15.88% خلال الفترة من 2026 إلى 2035.
5.94 مليار دولار بحلول 2035
وتتوقع الشركة أن ينمو سوق السياحة الفضائية بأكثر من 3 أضعاف بين عامي 2026 و2035، مدفوعًا بتطور الرحلات التجارية وانخفاض تكاليف الوصول إلى الفضاء، إلى جانب دخول شركات جديدة إلى السوق وتطوير مركبات فضائية قابلة لإعادة الاستخدام.
وتشمل السياحة الفضائية الرحلات الترفيهية إلى الفضاء، سواء الرحلات شبه المدارية التي توفر فترة قصيرة من انعدام الجاذبية، أو الرحلات المدارية التي تتطلب تقنيات وتكاليف أعلى. ويشير التقرير إلى أن انخفاض تكلفة الرحلات يمكن أن يوسع قاعدة العملاء مستقبلًا، بعدما تراجعت تكلفة الرحلة من نحو 600 ألف دولار إلى حوالي 250 ألف دولار، مع توقعات بمزيد من الانخفاض مع تطور التقنيات وزيادة المنافسة.
الرحلات شبه المدارية تتصدر السوق
تستحوذ الرحلات الفضائية شبه المدارية على الحصة الأكبر من السوق، إذ بلغت حصتها نحو 51% من الإيرادات في عام 2025، وفق التقرير. ويرجع ذلك بشكل أساسي إلى انخفاض تكلفتها مقارنة بالرحلات المدارية، ما يجعلها أكثر قابلية للتوسع التجاري. وتعمل شركات مثل "فيرجن جالاكتيك" و"بلو أوريجين" على تطوير رحلات شبه مدارية لنقل الركاب والباحثين.
ويتوقع التقرير أن تنمو السياحة شبه المدارية بوتيرة أسرع مع زيادة عدد الرحلات وانخفاض أسعار التذاكر، بينما يمكن للسياحة المدارية أن تسهم في توسيع منظومة الفضاء التجارية بالتوازي مع المشروعات الحكومية.
أمريكا الشمالية في الصدارة
استحوذت أمريكا الشمالية على أكثر من 40% من سوق السياحة الفضائية في عام 2025، لتتصدر المناطق الجغرافية عالميًا.
وتأتي الولايات المتحدة في مقدمة السوق، مع تمركز عدد كبير من الشركات العاملة في السياحة الفضائية بها، ومن بينها "فيرجن جالاكتيك" و"سبيس إكس" و"بلو أوريجين"، إلى جانب ارتفاع متوسط الدخل المتاح ووجود عدد كبير من أصحاب الثروات والمليارديرات.
وقدرت "Precedence Research" حجم سوق السياحة الفضائية في الولايات المتحدة بنحو 442.40 مليون دولار في عام 2026، مع توقعات بوصوله إلى نحو 1.70 مليار دولار بحلول عام 2035، بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 16.15%.
وفي المقابل، من المتوقع أن تكون منطقة آسيا والمحيط الهادئ الأسرع نموًا خلال الفترة المقبلة، مدفوعة بارتفاع الدخول، وزيادة الاهتمام بالسياحة واستكشاف الفضاء، إلى جانب المبادرات الحكومية في عدد من دول المنطقة، وعلى رأسها الصين والهند.
2.4 مليون عميل محتمل
لا تزال السياحة الفضائية سوقًا محدودة نسبيًا بسبب ارتفاع تكلفتها، لكن التقرير يشير إلى وجود قاعدة محتملة من العملاء القادرين على تحمل تكلفة هذه التجربة. وأظهر استطلاع أجرته شركة "Cowen" وجود سوق محتمل يضم نحو 2.4 مليون شخص ممن تزيد ثروتهم الصافية على 5 ملايين دولار، بينما شمل استطلاع أجرته "UBS" أكثر من 6 آلاف شخص من أصحاب الثروات المرتفعة حول السفر مع "فيرجن جالاكتيك".
وقال نحو 20% من المشاركين في استطلاع "UBS" إنهم من المرجح أن يشتروا تذكرة على متن مركبة فضائية خلال عام من بدء الشركة رحلاتها المنتظمة، وترتفع النسبة إلى أكثر من 35% بعد عدة سنوات من التشغيل الآمن، وفقًا للتقرير.
الـAI يدعم صناعة السياحة الفضائية
لا يقتصر تطور القطاع على المركبات والصواريخ، إذ يلعب الـAI دورًا متزايدًا في تطوير صناعة الفضاء. وبحسب التقرير، يمكن لخوارزميات الـAI تحليل البيانات الواردة من مكونات المركبات الفضائية في الوقت الفعلي، والتنبؤ بالأعطال المحتملة قبل وقوعها، بما يساعد على تقليل المخاطر.
كما تستخدم شركات مثل "ريلاتيفيتي سبيس" تقنيات الطباعة ثلاثية الأبعاد المدعومة بالـAI لتصنيع أجزاء معقدة من الصواريخ واختبارها وتحسينها بسرعة أكبر وبتكلفة أقل. ويمكن استخدام الـAI كذلك في مراقبة الأثر البيئي لعمليات إطلاق الصواريخ، من خلال تتبع انبعاثات الملوثات والمساعدة في تطوير عمليات أكثر استدامة.
من 250 ألف دولار إلى سوق أوسع
بلغ سعر تذكرة الرحلة شبه المدارية على متن "VSS Unity" نحو 250 ألف دولار، وهو مستوى سعري لا يزال يحصر السوق في شريحة محدودة من أصحاب الدخول المرتفعة. لكن انخفاض تكاليف الرحلات مع تطور المركبات القابلة لإعادة الاستخدام وزيادة عدد الرحلات التجارية قد يسمح بدخول شرائح جديدة من العملاء إلى السوق.
ويرى التقرير أن الولايات المتحدة تمثل السوق المصدر الرئيسية للسياحة الفضائية، بينما تمثل الصين واليابان أسواقًا محتملة أخرى بسبب العدد الكبير من أصحاب الثروات المرتفعة فيهما. وبحسب التقرير، فإن أكثر من 500 شخص أبدوا استعدادهم في عام 2019 لدفع نحو 250 ألف دولار مقابل تذاكر لرحلات شبه مدارية على متن "VSS Unity"، في مؤشر على وجود طلب محتمل على هذا النوع من التجارب، رغم أن الجدوى التجارية طويلة الأجل للسياحة الفضائية لم تُحسم بشكل كامل بعد.
ومع استمرار الاستثمار الخاص وتطور تقنيات الإطلاق وإعادة استخدام الصواريخ، يتجه قطاع السياحة الفضائية نحو مرحلة جديدة قد توسع قاعدة المشاركين فيه، رغم استمرار ارتفاع التكلفة والمخاطر المرتبطة بالسفر إلى الفضاء.



