يمثل المعلمون عنصرًا أساسيًا في أي نظام تعليمي، لكن العالم يواجه تحديات متزايدة تتعلق بأعداد المعلمين وقدرة الأنظمة التعليمية على توفير الكوادر المؤهلة والاحتفاظ بها. وفي الوقت الذي شهد فيه عدد المعلمين حول العالم نموًا خلال السنوات الماضية، لا تزال هناك فجوة كبيرة بين أعداد المعلمين المطلوبة والاحتياجات الفعلية للأنظمة التعليمية.

وبحسب أحدث بيانات معهد اليونسكو للإحصاء، التي نشرها فريق العمل الدولي المعني بالمعلمين في عام 2025، بلغ عدد المعلمين عالميًا نحو 104.3 مليون معلم في عام 2024، عند جمع أعداد المعلمين في مراحل ما قبل الابتدائي والابتدائي والثانوي والتعليم العالي. ويأتي ذلك في وقت تشير فيه التقديرات الدولية إلى حاجة العالم إلى ملايين المعلمين الإضافيين خلال السنوات المقبلة لسد فجوة المعلمين وتحقيق أهداف التعليم بحلول عام 2030.

أكثر من 104 ملايين معلم حول العالم

تظهر أحدث البيانات العالمية نموًا في أعداد المعلمين مقارنة بالسنوات السابقة، إذ بلغ عدد معلمي مرحلة ما قبل الابتدائي نحو 13.8 مليون معلم في عام 2024، مقابل 34.1 مليونًا في المرحلة الابتدائية. وسجل عدد معلمي المرحلة الثانوية نحو 41.9 مليون معلم، بينما بلغ عدد العاملين في التعليم العالي نحو 14.5 مليون معلم. وبجمع أعداد المعلمين في هذه المستويات التعليمية الأربعة، يصل الإجمالي إلى نحو 104.3 مليون معلم عالميًا في عام 2024.

وتشير بيانات فريق العمل الدولي للمعلمين ومعهد اليونسكو للإحصاء إلى أن أعداد المعلمين ارتفعت بصورة ملحوظة منذ عام 2000، عندما بلغ عدد معلمي ما قبل الابتدائي نحو 5.5 مليون، مقابل 24.9 مليونًا في المرحلة الابتدائية، و25.4 مليونًا في المرحلة الثانوية، و7 ملايين في التعليم العالي.

ورغم هذا النمو، تؤكد الجهات الدولية أن زيادة أعداد المعلمين لا تعني بالضرورة انتهاء أزمة النقص، إذ يمكن أن تنمو أعداد الطلاب بوتيرة أسرع، كما أن ارتفاع أعداد المعلمين لا يعني بالضرورة حصول جميعهم على التدريب والتأهيل المطلوبين.

العالم يحتاج إلى 44 مليون معلم إضافي

رغم ارتفاع عدد المعلمين عالميًا، يكشف التقرير العالمي للمعلمين، الصادر عن اليونسكو وفريق العمل الدولي المعني بالمعلمين، عن حاجة العالم إلى 44 مليون معلم إضافي للمرحلتين الابتدائية والثانوية بحلول عام 2030، من أجل تحقيق هدف إتاحة التعليم الابتدائي والثانوي للجميع.

وتتركز الحاجة الأكبر في المرحلة الثانوية، إذ يحتاج العالم إلى نحو 31 مليون معلم إضافي في هذا المستوى، بما يعادل نحو 7 من كل 10 معلمين مطلوبين بحلول 2030. كما أن نحو 58% من إجمالي الاحتياجات يرتبط بتعويض المعلمين الذين سيغادرون المهنة، بينما يرتبط الجزء المتبقي بإنشاء وظائف تدريس جديدة.

وتعد أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى من أكثر المناطق احتياجًا إلى المعلمين، إذ تحتاج إلى نحو 15 مليون معلم إضافي بحلول عام 2030، نتيجة النمو السريع في أعداد السكان في سن الدراسة، إلى جانب القيود المالية التي تواجه الأنظمة التعليمية.

ولا تقتصر أزمة نقص المعلمين على الدول النامية، إذ تواجه دول ومناطق مرتفعة الدخل، من بينها أوروبا وأمريكا الشمالية، تحديات في استقطاب المعلمين المؤهلين والاحتفاظ بهم داخل المهنة. ولا تتوقف الاحتياجات عند مرحلتي الابتدائي والثانوي، إذ تشير اليونسكو إلى حاجة العالم إلى نحو 6 ملايين معلم ومربٍ إضافي في مرحلة ما قبل الابتدائي بحلول عام 2030 لتحقيق أهداف التعليم في مرحلة الطفولة المبكرة.

ارتفاع معدلات تسرب المعلمين

يمثل خروج المعلمين من المهنة أحد العوامل الرئيسية وراء الفجوة المتوقعة في أعدادهم، إذ ارتفع معدل تسرب معلمي المرحلة الابتدائية عالميًا من 4.62% عام 2015 إلى 9.06% عام 2022، ليقترب من الضعف خلال هذه الفترة. ولا يوجد في أحدث البيانات التي راجعتها رقم عالمي أحدث قابل للمقارنة يحل محل معدل 2022.

ويرتبط تسرب المعلمين بعدة عوامل، من بينها ظروف العمل، والدافعية، ومستويات الأجور، وفرص التطوير المهني، ومدى جاذبية مهنة التدريس وقدرة الأنظمة التعليمية على الاحتفاظ بالكوادر المؤهلة. كما أن ارتفاع معدلات التسرب يفرض أعباء إضافية على الأنظمة التعليمية، التي تضطر إلى توظيف وتدريب معلمين جدد لتعويض من يغادرون المهنة.

ولا تقتصر تداعيات نقص المعلمين على انخفاض أعداد الكوادر التعليمية، إذ يمكن أن يؤدي إلى زيادة أعباء العمل على المعلمين، والتأثير على جودة التعليم، وتفاقم التفاوتات التعليمية، إلى جانب زيادة الضغوط المالية على الأنظمة التعليمية.

120 مليار دولار سنويًا لسد الفجوة

لا يتعلق سد فجوة المعلمين بتوفير الكوادر البشرية فقط، وإنما يحتاج أيضًا إلى استثمارات مالية كبيرة لتوفير وظائف التدريس الجديدة ورواتب المعلمين. وبحسب تقديرات التقرير العالمي للمعلمين، تحتاج الدول إلى تمويل إضافي يبلغ نحو 12.8 مليار دولار سنويًا لتحقيق التعليم الابتدائي الشامل، بينما تصل الحاجة إلى نحو 106.8 مليار دولار للتعليم الثانوي الشامل.

وبجمع الاحتياجات الخاصة بالمرحلتين، يصل التمويل الإضافي اللازم لتغطية رواتب وظائف التدريس الجديدة إلى نحو 120 مليار دولار سنويًا بحلول عام 2030. ويظل هذا التقدير هو الرقم المستخدم حاليًا في المصادر الرسمية لفريق العمل الدولي المعني بالمعلمين واليونسكو.

كيف يمكن مواجهة نقص المعلمين؟

ترى اليونسكو وفريق العمل الدولي المعني بالمعلمين أن التعامل مع أزمة نقص المعلمين يحتاج إلى حلول تتجاوز مجرد زيادة أعداد العاملين في المدارس، إذ يتطلب الأمر تحسين قدرة الأنظمة التعليمية على استقطاب المعلمين المؤهلين والاحتفاظ بهم داخل المهنة.

وتشمل الإجراءات تحسين الأجور وظروف العمل، وتعزيز رفاهية المعلمين ودافعيتهم، وتوفير مسارات مهنية أكثر جاذبية، إلى جانب إتاحة فرص التطوير المهني المستمر، وتعزيز الاستقلالية المهنية ومنح المعلمين دورًا أكبر في صنع القرار. كما يؤكد فريق العمل الدولي للمعلمين أهمية التعاون بين المعلمين والتطوير المهني المستمر باعتبارهما عنصرين أساسيين في دعم المهنة.

وتكشف هذه الأرقام أن أزمة المعلمين عالميًا لا تتعلق فقط بعدد العاملين في مهنة التدريس، وإنما بقدرة الأنظمة التعليمية على توفير العدد الكافي من المعلمين المؤهلين، وجذبهم إلى المهنة، وتحسين ظروف عملهم، والحفاظ عليهم، بما يساعد على تحقيق هدف توفير تعليم شامل وعادل وجيد للجميع بحلول عام 2030.