أعلنت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند التوصل إلى اتفاق يسمح لواشنطن بتعزيز وجودها العسكري في الجزيرة القطبية الشمالية، ضمن ترتيبات أمنية تهدف إلى منع خصوم الولايات المتحدة من إقامة قواعد أو تنفيذ استثمارات حساسة فيها.

وأكدت كلا من الدنمارك وغرينلاند، السبت، أن الاتفاق لا يتضمن التخلي عن السيادة على الجزيرة أو المساس بوضعها ضمن المملكة الدنماركية، وذلك بعدما تحدث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن منح الولايات المتحدة صلاحيات دائمة تتعلق بأمن غرينلاند، في تصريحات أثارت تساؤلات بشأن نطاق الاتفاق وبنوده غير المعلنة.

ولا تزال تفاصيل رئيسية من الاتفاق غير واضحة، من بينها حجم الوجود العسكري الأميركي المرتقب في غرينلاند، وما إذا كانت واشنطن ستحصل على أي صلاحيات رسمية في ملفات السياسة الخارجية أو الموارد الطبيعية للإقليم الذي يتمتع بحكم ذاتي.

وتأمل الدنمارك وغرينلاند في توقيع الاتفاق رسميًا خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة الأسبوع المقبل، بما ينهي أشهرًا من حالة عدم اليقين التي رافقت تهديدات ترامب السابقة بالسعي إلى السيطرة على الجزيرة.

مرحلة جديدة بين غرينلاند والدنمارك والولايات المتحدة

وقال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن إن الأسبوع المقبل قد يمثل مرحلة جديدة في العلاقات بين غرينلاند والدنمارك والولايات المتحدة، معربًا عن أمله في أن يؤدي الاتفاق الملزم إلى تجاوز فترة عدم اليقين وتعزيز الأمن في القطب الشمالي وشمال المحيط الأطلسي.

وأضاف راسموسن أن الترتيب الجديد يمكن أن يدعم الأمن المشترك للدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي وأوروبا، مع التأكيد على ضرورة احترام الخطوط الحمراء للمملكة الدنماركية. وفي العاصمة نوك، أبدى عدد من السكان تحفظهم على توثيق العلاقات الأمنية مع الولايات المتحدة، وسط استمرار الجدل بشأن مستقبل الجزيرة وطبيعة علاقاتها مع واشنطن.

وقال جاكوب لودفيغسن، البالغ 65 عامًا، إن غرينلاند لا ينبغي أن تخضع للسيطرة الأميركية، معتبرًا أن التعاون مع حلف شمال الأطلسي هو الخيار الأنسب للجزيرة. كما عبرت ماريان هانسن، وهي طاهية متقاعدة تبلغ 71 عامًا، عن رفضها لأي توسع في النفوذ الأميركي داخل غرينلاند، وقالت إن ترامب لا ينبغي أن يتوقع أن يتحول أطفال الجزيرة وأحفادهم إلى أميركيين في المستقبل.

وكانت الدنمارك وغرينلاند قد شددتا مرارًا على ضرورة احترام واشنطن لسيادة المملكة الدنماركية، كما أكدت السلطات في الجزيرة أنها ليست معروضة للبيع.

ترامب يتحدث عن «سيطرة دائمة»

وفي المقابل، قدم ترامب توصيفًا مختلفًا لنطاق الاتفاق، إذ قال في منشور عبر منصة Truth social إن الترتيب الجديد سيمنح الولايات المتحدة قدرة دائمة على اتخاذ ما تراه ضروريًا لضمان أمن غرينلاند والولايات المتحدة.

وأضاف أن الاتفاق يمنح واشنطن سيطرة دائمة على أمن الجزيرة واحتياجاتها الأخرى، مشيرًا إلى أن أي دولة تعتبرها الولايات المتحدة خصمًا لن تتمكن من إقامة قاعدة أو وجود عسكري في غرينلاند، أو تنفيذ استثمارات حساسة فيها، من دون موافقة أميركية خطية وصريحة.

وجاءت تصريحات ترامب بعد نشر تقرير أفاد باقتراب واشنطن وكوبنهاغن من التوصل إلى اتفاق بشأن الوجود العسكري الأميركي في الجزيرة. ويرى ميكيل فيدبي راسموسن، أستاذ العلوم السياسية في جامعة كوبنهاغن، أن الاتفاق لا يعني بالضرورة انتهاء الاهتمام الأميركي بغرينلاند، مشيرًا إلى استمرار الأهمية الاستراتيجية للجزيرة ومواردها بالنسبة إلى الولايات المتحدة.

وأضاف أن منح واشنطن أي صلاحيات رسمية من جانب كوبنهاغن قد يفتح نقاشًا داخل غرينلاند بشأن طبيعة العلاقة المستقبلية مع الولايات المتحدة، وما إذا كان ذلك سيؤدي إلى انتقال النفوذ من الدنمارك إلى واشنطن. من جانبه، قال رئيس وزراء غرينلاند ينس فريدريك نيلسن إن الاتفاق المقترح يحافظ على سيادة المملكة الدنماركية وسلامة أراضيها، كما يؤكد حق سكان غرينلاند في تقرير مصيرهم.

وتأتي هذه التطورات بعد أشهر من التوتر الدبلوماسي الذي تصاعد مع تهديدات ترامب بالسيطرة على غرينلاند، وهي الأزمة التي انعكست أيضًا على العلاقات داخل حلف شمال الأطلسي، قبل أن تدخل الدنمارك وغرينلاند في مفاوضات مع واشنطن بهدف تخفيف حدة الخلاف. ورحب حلف شمال الأطلسي بالاتفاق، وقال متحدث باسمه إن الترتيبات الجديدة يمكن أن تسهم في تعزيز الأمن والاستقرار والتعاون في منطقة القطب الشمالي، التي تزداد أهميتها الاستراتيجية.