في واحدة من أكثر مناطق العالم جفافًا، تضخ منظومة تحلية المياه في السعودية كميات يومية تعادل إنتاج كوكب الأرض بأكمله من النفط، في سباق تشغيلي متواصل لتأمين شريان الحياة.
غير أن المتابع لمسار هذا القطاع يجد أمامه أرقامًا قد تبدو متباينة للوهلة الأولى؛ فبينما تقف القدرة الإنتاجية والتصميمية المركبة للمنظومة عند 15 مليون متر مكعب يوميًا، يسجل الإنتاج التشغيلي الفعلي المتدفق في الشبكات نحو 11.5 مليون متر مكعب يوميًا تشرف عليها المؤسسة العامة لتحلية من مياه البحر والمياه الجوفية. هذا الفارق بين الرقمين لا يمثل تضاربًا، بل يوضح الفارق العملي بين "الطاقة القصوى المركبة" المصممة لتلبية أوقات الذروة الاستثنائية كما في مواسم الحج والعمرة، وبين "الإنتاج الفعلي" الذي يغذي الطلب اليومي المستقر لمختلف المدن والمحافظات.
ويظهر هذا التمايز بوضوح عند تدقيق الميزان المائي الداخلي؛ إذ تكشف نشرة حسابات المياه الصادرة عن الهيئة العامة للإحصاء لعام 2023 أن المياه المحلاة شكلت 50% من إجمالي المياه الموزعة البالغة 7,537 مليون متر مكعب، مقارنة بنحو 44% في عام 2022. ورغم هذه النسبة العالية في شبكات التوزيع الحضرية، فإن حصة المياه المحلاة لا تمثل سوى 22% فقط من إجمالي الإمدادات المسحوبة من الموارد الطبيعية والبالغة 17,493 مليون متر مكعب، رغم نمو إمدادات التحلية بنسبة 31%. ويعود السبب الأساسي في ذلك إلى طبيعة الاستهلاك الوطني؛ فالقطاع الزراعي يستحوذ وحده على 12,298 مليون متر مكعب من المياه، معتمدًا بشكل رئيسي على المياه الجوفية غير المتجددة التي تغطي 62% من إجمالي الإمداد الطبيعي، رغم تراجع سحب الزراعة منها بنسبة 7% ليصل إلى 9,356 مليون متر مكعب بالتوازي مع ارتفاع استهلاك المياه المعالجة والمعاد استخدامها إلى 555 مليون متر مكعب. وتظهر هنا مفارقة اقتصادية لافتة في الإنفاق؛ فرغم أن الزراعة تستهلك الكتلة الأكبر من المياه، إلا أن حصتها من فاتورة الإنفاق المالي لم تتجاوز 0.5% فقط، مقابل استحواذ القطاع الصناعي على 61.4% والقطاع السكني على 38.1% من إجمالي الإنفاق.
الثقل العالمي وتحدي الرجيع الملحي
على الصعيد العالمي، توضح دراسة معهد جامعة الأمم المتحدة للمياه المنشورة عام 2019 أن هناك 15,906 محطات تحلية حول العالم تنتج قرابة 95.37 مليون متر مكعب يوميًا، وتستحوذ منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا على 48% من هذا الإنتاج. وفي هذا المشهد، تتصدر السعودية دول العالم بحصة تبلغ 15.5% من القدرة العالمية، متقدمة على الولايات المتحدة (11.2%) والإمارات (10.1%) والصين (7.5%). لكن هذا الحجم الإنتاجي ارتبط تاريخيًا بتحدٍ بيئي يتمثل في الرجيع الملحي، إذ بينت الدراسة أن العالم ينتج يوميًا نحو 141.5 مليون متر مكعب من هذا الماء عالي الملوحة متجاوزًا حجم الماء العذب المنتج بنحو 50%، وتستأثر منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بنحو 70.3% من هذا الفاقد. وتنتج أربع دول فقط، هي السعودية والإمارات والكويت وقطر، ما يعادل 55% من الرجيع العالمي و32% من الماء المحلى، ويصل نصيب السعودية وحدها إلى 31.53 مليون متر مكعب يوميًا، أي 22.2% من الإجمالي العالمي.
ويرجع هذا العبء البيئي إلى عقود من الاعتماد على محطات التبخير الوميضي متعدد المراحل التي لا يتعدى معدل استخلاصها للماء 22% لمياه البحر مقارنة بنحو 42% لتقنيات التناضح العكسي، إضافة إلى استهلاكها العالي للطاقة؛ حيث تسببت هذه التقنيات الحرارية في جعل قطاع التحلية مسؤولًا عن قرابة 17% من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في السعودية. ولمعالجة هذا الواقع، نفذت الهيئة السعودية للمياه خطة تحول هيكلية لاستبدال المحطات الحرارية بنظم التناضح العكسي شملت إحلال وتحويل ثماني محطات حرارية من أصل 13 محطة تمثل وحدها 94% من الإنتاج الحراري، في خطوة عملية تكسر الهدر الطاقي وتدعم خفض الانبعاثات الكربونية بنسبة 62%، بما يعيد ضبط الميزان المائي على أسس مستدامة بيئيًا واقتصاديًا.




