وقّعت الولايات المتحدة عقد مشاركتها الرسمي في إكسبو 2030 الرياض، لتنضم إلى أكثر من 185 مشاركًا رسميًا أكدوا حضورهم، في معرض تستهدف السعودية أن يستقبل أكثر من 42 مليون زيارة. وتمتد أهمية المشاركة إلى تبادل المعرفة وبناء الشراكات والوصول إلى أسواق جديدة، فيما تراهن المملكة على استثمار الحدث في تنشيط قطاعات الاقتصاد والسياحة وتطوير موقع المعرض ليصبح وجهة دائمة بعد انتهاء فعالياته.

منطقة التكنولوجيا

لم يعد توقيع الولايات المتحدة عقد مشاركتها في إكسبو 2030 الرياض مجرد إضافة دولة جديدة إلى قائمة الحضور، بل نقل مشاركتها إلى مرحلة إعداد الجناح والبرامج والتجارب التي ستقدَّم للزوار. ففي 30 أكتوبر 2026، وقّع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان ونظيره الأمريكي ماركو روبيو الاتفاقية في مدينة أتلانتا، على هامش اجتماع وزراء خارجية مجموعة العشرين، لتستعد واشنطن لإقامة جناح داخل منطقة التكنولوجيا بالمعرض.

وتعتزم الولايات المتحدة تقديم ابتكاراتها وقدراتها التكنولوجية، بحسب إعلان إدارة إكسبو الرياض عن توقيع الاتفاقية، الذي أشار إلى تجاوز عدد المشاركين الرسميين 185 مشاركًا، مع تقدّم الاستعدادات المتعلقة بتصميم الأجنحة وإعداد المحتوى والبرامج.

وتأتي الاتفاقية بعد توقيع فرنسا أول عقد مشاركة رسمي في أغسطس، ثم البحرين وعُمان والغابون، وأذربيجان في أكتوبر، في وقت تستعد فيه دول أخرى لاستكمال إجراءات مشاركتها. ويختلف عدد المشاركين الرسميين عن عدد الدول وحدها، إذ تشمل القائمة أيضًا المنظمات الدولية.

ويمنح هذا التنوع المعرض طبيعته الأساسية باعتباره تجمعًا دوليًا لا يقتصر على عرض إنجازات الدولة المضيفة؛ فكل مشاركة تضيف محتوى وتجربة مختلفة، بينما تتاح للدول فرصة تقديم رؤيتها للمستقبل أمام جمهور من بلدان متعددة، والتواصل مع مؤسسات وشركات ومراكز بحثية خارج نطاق علاقاتها التقليدية.

استشراف المستقبل

وفي الرياض، يحمل المعرض شعار «استشراف المستقبل»، ويتوزع على خمسة محاور هي التكنولوجيا، والكوكب، والإنسانية، والثقافة، والتعاون. وتتيح هذه المحاور للدول تقديم تجاربها في موضوعات تتصل بمستقبل المجتمعات، من التحول الرقمي والابتكار إلى حماية البيئة والاستدامة وجودة الحياة والتنوع الثقافي.

ويعني ذلك أن الزائر لن يكتفي بمشاهدة نماذج من التراث الوطني لكل دولة، بل سيتعرف على كيفية تعامل بلدان مختلفة مع قضايا مثل الطاقة والموارد الطبيعية والمدن الذكية والتغير المناخي، ومقارنة الحلول التي تقدمها، إلى جانب متابعة الأنشطة الفنية والثقافية والتجارب التفاعلية.

وتكتسب هذه التجربة حجمًا أكبر مع استهداف إقامة أكثر من 230 جناحًا على مساحة تبلغ نحو 6 ملايين متر مربع، واستقبال أكثر من 42 مليون زيارة خلال الفترة من 1 أكتوبر 2030 إلى 31 مارس 2031، وفق البيانات التعريفية الرسمية لإكسبو الرياض.

ولا يتوقف أثر تعدد المشاركات على عدد التجارب المتاحة، إذ يرتبط أيضًا بقدرة الدول على تنظيم برامج وفعاليات مشتركة تجمع الباحثين والمبتكرين والمؤسسات الثقافية والاقتصادية، بما يجعل المعرض مساحة للتواصل وتبادل المعرفة، لا مجرد معرض مفتوح للجمهور.

فرصة أمام الملايين

يمثل إكسبو للدول المشاركة فرصة لتقديم صورتها أمام ملايين الزوار، والتعريف بقدراتها الاقتصادية والعلمية والثقافية، فضلًا عن فتح قنوات للتواصل مع المستثمرين والشركات والمؤسسات الحكومية والبحثية.

وتظهر اختلافات أهداف المشاركة في الأجنحة التي بدأت الدول الاستعداد لها. فاختارت فرنسا، أول دولة وقّعت عقد مشاركتها، أن يكون جناحها في منطقة الكوكب تحت شعار «تحت سماء واحدة»، مستندة إلى العناصر الأربعة: السماء والأرض والنار والماء. وتستهدف من خلاله تقديم تجربة غامرة للزوار، إلى جانب إتاحة مساحة للشركات الفرنسية لعرض قدراتها، خصوصًا في حماية الكوكب والتحول البيئي، وفق بيان إدارة إكسبو عن المشاركة الفرنسية.

أما البحرين، فتتجه إلى تقديم جناح مستدام يعكس هويتها وإنجازاتها وعلاقاتها التاريخية بالسعودية، مع التخطيط للاحتفاظ به بعد انتهاء المعرض ودمجه في القرية العالمية، بحسب إعلان توقيع عقد المشاركة البحرينية. وتسعى أذربيجان إلى إبراز تراثها وثقافتها ورؤيتها المستقبلية، مع استخدام مشاركتها لتعزيز العلاقات مع السعودية، وفق بيان توقيع عقد المشاركة الأذربيجانية.

وتكشف هذه النماذج اختلاف ما تريد الدول إبرازه؛ فتربط فرنسا مشاركتها بالتحول البيئي وقدرات شركاتها، فيما تركز البحرين على الهوية والاستدامة، وتقدّم أذربيجان تراثها الثقافي ورؤيتها للمستقبل، في حين اختارت الولايات المتحدة منطقة التكنولوجيا لإبراز ابتكاراتها.

ولا تنحصر المكاسب المحتملة في التعريف بالدول، إذ يمكن أن تتحول اللقاءات بين الوفود والمؤسسات والشركات إلى فرص للتعاون التجاري والاستثماري والبحثي، كما تتيح المشاركة للشركات الصغيرة والمتوسطة الوصول إلى أسواق وشركاء جدد. لكن تحويل هذه الفرص إلى نتائج فعلية يتوقف على الاتفاقات التي تنشأ خلال المعرض وما يتبعها من تنفيذ، لا على مجرد وجود جناح وطني.

إكسبو دبي.. الأثر بعد انتهاء المعرض

تقدّم تجربة إكسبو 2020 دبي نموذجًا لما يمكن أن تنتجه المشاركة الدولية من علاقات اقتصادية وفرص تستمر بعد إغلاق المعرض. فقد استضافت دبي 192 دولة، واستقبلت 24.1 مليون زيارة خلال ستة أشهر، فيما تحولت اللقاءات بين المشاركين إلى اتفاقات تجارية واقتصادية وشراكات جديدة.

ويوثق التقرير الختامي لإكسبو دبي، في فصله الخاص بالأثر والإرث، اتفاقات اقتصادية وتجارية أبرمتها الإمارات مع دول مشاركة، من بينها بلجيكا وفرنسا والفلبين وسانت فنسنت والغرينادين والسعودية، إلى جانب دور المعرض في ربط الشركات الصغيرة والمتوسطة بسلاسل التوريد والفرص الاستثمارية.

وامتد الأثر إلى الاقتصاد الإماراتي، إذ قدّرت دراسة أجرتها شركة EY أن المعرض ومدينة إكسبو دبي سيضيفان 154.9 مليار درهم، أي ما يعادل 42.2 مليار دولار، إلى القيمة المضافة الإجمالية للاقتصاد خلال الفترة من 2013 إلى 2042، مع دعم ما يعادل 1.039 مليون سنة عمل بدوام كامل.

ولا تمثل هذه الأرقام إيرادات تحققت خلال الأشهر الستة للمعرض، وإنما تقديرات للأثر الاقتصادي الممتد، تشمل مراحل الإعداد والتشييد والتشغيل والإرث اللاحق، بحسب التقرير الذي نشره المكتب الإعلامي لحكومة دبي عن الدراسة.

كما احتفظت دبي بنحو 80% من البنية التحتية التي أقيمت للحدث، وأعادت افتتاح الموقع بعد ستة أشهر من انتهاء المعرض تحت اسم «إكسبو سيتي دبي»، ليصبح جزءًا من خطتها العمرانية طويلة الأجل، وفق التقرير الختامي نفسه.

أوساكا.. 29 مليون زيارة ومئات المشاركات

وتقدّم تجربة إكسبو أوساكا 2025 في اليابان نموذجًا أحدث لحجم التفاعل الذي يمكن أن ينتج عن تعدد المشاركات الدولية والبرامج المصاحبة لها. فقد استقبل المعرض 29.02 مليون زيارة، بمشاركة 158 دولة ومنطقة و7 منظمات دولية، وسجلت منصته الافتراضية 31.83 مليون زيارة، وفق البيانات النهائية المنشورة على الموقع الرسمي لإكسبو أوساكا.

كما شاركت 2931 جهة وشريكًا في برنامج «TEAM EXPO 2025» المعني بالتعاون والإبداع المشترك، وهو ما أتاح توسيع نطاق المشاركة إلى جهات ومبادرات خارج الأجنحة الوطنية، بحسب البيانات نفسها. وتكشف هذه الأرقام أن تجربة المعارض العالمية لم تعد محصورة في عدد الدول والأجنحة أو الزيارات الفعلية، بل تشمل التفاعل الرقمي والبرامج المشتركة ومشاركة المؤسسات والمبادرات المجتمعية، بما يوسع نطاق الوصول إلى الجمهور ويخلق مساحات إضافية للتعاون.

وبالنسبة للرياض، التي تستهدف أكثر من 42 مليون زيارة، تضع هذه التجربة تحديًا يتعلق بإدارة حركة الزوار وتوفير محتوى متجدد على امتداد الأشهر الستة، مع ضمان أن يتحول تنوع المشاركات إلى تجارب فعلية يمكن للجمهور التفاعل معها.

عائد اقتصادي يتجاوز فترة المعرض

ترتبط استضافة السعودية لإكسبو بمساعيها لتنويع الاقتصاد وتعزيز موقع الرياض وجهةً للأعمال والسياحة والفعاليات الدولية، ضمن مستهدفات رؤية 2030. وتتوزع المكاسب المتوقعة على قطاعات الإنشاءات والنقل والإقامة والضيافة والمطاعم والخدمات اللوجستية، إلى جانب شركات التكنولوجيا وإدارة الفعاليات، التي يمكن أن تشارك في تجهيز الموقع وتشغيله وتقديم الخدمات للوفود والزوار.

ووفق التقديرات التي أعلنها صندوق الاستثمارات العامة عند إطلاق شركة إكسبو 2030 الرياض، من المتوقع أن يسهم المعرض ومرافقه بنحو 64 مليار دولار في الناتج المحلي الإجمالي السعودي خلال مراحل البناء، وأن يوفر نحو 171 ألف وظيفة مباشرة وغير مباشرة، بينما يقدَّر إسهامه في الناتج المحلي خلال المرحلة التشغيلية بنحو 5.6 مليار دولار.

وتظهر بعض هذه الاستثمارات في الاتفاقيات التي بدأت الشركة المنظمة توقيعها مع القطاع الخاص؛ ففي 14 سبتمبر 2026، أعلنت شركة إكسبو 2030 الرياض وشركة محمد الحبيب العقارية اتفاقية مشروع مشترك بقيمة 3.2 مليار ريال لتطوير «قرية إكسبو»، المخصصة لتوفير الإقامة للمشاركين الرسميين والوفود طوال فترة الحدث، وفق الإعلان الرسمي عن المشروع.

وتعكس هذه الاتفاقية ارتباط الاستعدادات للمعرض بقطاعات التطوير العقاري والبنية التحتية، فضلًا عن فرص التعاقدات والخدمات التي يمكن أن تحصل عليها الشركات المحلية، سواء في مرحلة التجهيز أو التشغيل.

كما تمنح المشاركات الدولية السعودية فرصة لاستقبال المؤسسات والشركات والوفود من مختلف الدول، وعرض مشروعاتها وقدراتها الاقتصادية أمام شركاء محتملين، بما يتجاوز الأثر المباشر لإنفاق الزوار خلال وجودهم في الرياض.