قبل سنوات قليلة، كان أندي بورنهام يشتكي من تهميشه داخل مؤتمر حزب العمال، بعدما حُرم مرارًا من الظهور على المنصة الرئيسية خلال قيادة كير ستارمر للحزب.
لكن المشهد انقلب الآن، فالرجل الذي كان يقف على هامش المسرح السياسي، بات المرشح الأوفر حظًا لخلافة ستارمر في رئاسة الوزراء، وسط لحظة مضطربة داخل حزب العمال وضغط متزايد من حزب الإصلاح البريطاني بقيادة نايجل فاراج.
يراه أنصاره واحدًا من أكثر السياسيين قدرة على التواصل مع الناخبين، ويقدم نفسه باعتباره صاحب الكاريزما والرؤية القادرتين على إعادة ربط حزب العمال بالشارع، خصوصًا في مواجهة صعود اليمين الشعبوي المناهض للهجرة.
وقد عزز أندي بورنهام موقعه بعد فوزه الحاسم بمقعد برلماني في دائرة كان حزب الإصلاح قد حقق فيها أداءً قويًا في الانتخابات المحلية. هذا الفوز جاء في لحظة حساسة بعد إعلان ستارمر استقالته، فدفع عددًا كبيرًا من نواب حزب العمال إلى الالتفاف حول بيرنهام بوصفه خيارًا محتملًا للمرحلة المقبلة.
ووصف النائب العمالي أليكس سوبل، بيرنهام بأنه أثبت قدرته على طرح رؤية عمالية يستطيع الناخبون الالتفاف حولها.
كما زادت فرصه بعدما أعلن وزير الصحة السابق ويس ستريتينغ أنه لن ينافسه في سباق القيادة، رغم نفيه وجود أي اتفاق للحصول على منصب رفيع مقابل الانسحاب.
من «ملك الشمال» إلى اختبار الحكم
اكتسب أندي بورنهام لقب «ملك الشمال» خلال جائحة كورونا، حين دخل في مواجهة بارزة مع حكومة بوريس جونسون بشأن القيود والتعويضات المخصصة لمانشستر الكبرى.
وتعززت صورته عندما رفض عرضًا حكوميًا بقيمة 22 مليون جنيه إسترليني، معتبرًا أنه لا يمثل سوى ثلث الحد الأدنى المطلوب لتعويض المنطقة، في تلك اللحظة، ظهر بيرنهام كسياسي يدافع عن منطقته في مواجهة حكومة مركزية متسلطة.
هذا المشهد ساعده على بناء صورة مختلفة عن السياسي التقليدي في لندن، فهو يقدم نفسه بوصفه سياسيًا قريبًا من المجتمعات المحلية، يضع «المكان أولًا» قبل الحسابات الحزبية الضيقة.
لكن هذه الصورة لا تقنع الجميع، لأن منتقدو آندي بيرنهام يرون أنه غيّر مواقفه أكثر من مرة، وحاول تقديم نفسه باعتباره رجلًا عاديًا من أبناء الشعب، رغم أنه سياسي محترف تلقى تعليمه في كامبريدج، وصعد داخل حزب العمال عبر المسار التقليدي.
رؤية بورنهام المانشسترية
تقوم رؤية أندي بورنهام المانشسترية على فكرة نقل السلطة بعيدًا عن لندن، ومنح المدن والمناطق قدرة أكبر على إدارة شؤونها الاقتصادية والخدمية. فهو يرى أن هيمنة العاصمة على الاقتصاد البريطاني أضعفت المجتمعات المحلية، وحرمتها من التحكم في ملفات تمس حياة الناس مباشرة مثل النقل والمرافق العامة والخدمات.
ويصف بورنهام نموذجه الاقتصادي بأنه «اشتراكية صديقة للأعمال»، أي نموذج يجمع بين دور أكبر للدولة، ودعم بيئة اقتصادية قادرة على جذب الاستثمار وتحقيق النمو.
وتستند هذه الرؤية إلى تجربة مانشستر الكبرى، التي يرى بيرنهام أنها تقدم درسًا يمكن تطبيقه على بريطانيا كلها: منح المناطق صلاحيات أوسع، وبناء اقتصاد لا يدور بالكامل حول لندن.
وفي ملف الضرائب والإنفاق، لم يقدم أندي بورنهام حتى الآن تصورًا تفصيليًا لكيفية الموازنة بين الضرائب والاقتراض والإنفاق العام، متعهدا بالالتزام بالقواعد المالية القائمة، واحترام وعد حزب العمال في برنامج 2024 بعدم زيادة الضرائب على العاملين.
كما ينتقد بورنهام سنوات الخصخصة وتخفيف القيود التنظيمية، معتبرًا أنها لم تسلب الحكومة السيطرة على التكاليف والخدمات فحسب، بل خلقت أيضًا مشكلات في الكفاءة والإدارة.
أما بشأن الاتحاد الأوروبي، فقد كان بورنهام من مؤيدي بقاء بريطانيا داخل الاتحاد خلال استفتاء بريكست عام 2016، وقال لاحقًا إنه يتمنى أن يرى بريطانيا تعود إلى الاتحاد الأوروبي خلال حياته، لكنه تراجع في الأسابيع الأخيرة إلى موقف أكثر حذرًا، مؤكدًا أن السعي إلى العضوية الأوروبية ليس أولوية في الوقت الحالي.
صعود طويل داخل حزب العمال
ولد أندي بورنهام في ليفربول، لأب عمل مهندس هواتف وأم عملت موظفة استقبال. درس اللغة الإنجليزية في جامعة كامبريدج، ثم بدأ طريقه السياسي باحثًا ومستشارًا داخل البرلمان.
تولى أول منصب وزاري صغير في عهد توني بلير، ثم شغل لاحقًا منصبي وزير الثقافة ووزير الصحة في عهد غوردون براون. وفي عامي 2010 و2015، خاض سباق قيادة حزب العمال، لكنه خسر في المرتين.
هذه المسيرة الطويلة تمنحه خبرة سياسية واضحة، لكنها تفتح أيضًا الباب أمام سؤال يلاحقه داخل الحزب: هل يمثل بورنهام تغييرًا حقيقيًا عن ستارمر، أم مجرد وجه جديد من المؤسسة العمالية نفسها؟
في العام الماضي، تبنى بورنهام مواقف أكثر جرأة، بينها انتقاد الحكومة بسبب خضوعها لأسواق السندات، والدعوة إلى تأميم قطاعات رئيسية، والحديث عن عودة بريطانيا إلى الاتحاد الأوروبي.
لكنه عاد في الأسابيع الأخيرة إلى خطاب أكثر وسطية، قائلًا إن أوضاع البلاد المالية لا تسمح بتأميم واسع، وإن العودة إلى الاتحاد الأوروبي ليست مطروحة قريبًا.
ولهذا، يرى بعض نواب حزب العمال أن التحدي الأكبر أمام آندي بيرنهام لا يقتصر على الوصول إلى رئاسة الوزراء، بل على إثبات أنه قادر على قيادة مختلفة بجرأة ووضوح.
فالرجل الذي بنى شهرته في مانشستر، وقدم نفسه مدافعًا عن الشمال في مواجهة لندن، يقف الآن أمام اختبار أكبر: هل يستطيع تحويل «المانشستراوية» من تجربة محلية إلى مشروع وطني يحكم بريطانيا؟














